اجتماع مجلسي السيادة والوزراء في الخرطوم .. عودة مركز القرار أم اختبار لمرحلة ما بعد الحرب؟

السفير.د. معاوية البخاري
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، ينعقد مجلسي السيادة والوزراء بالسودان في الخرطوم في ٢٠ يناير الجاري ، في خطوة تتجاوز بعدها البروتوكولي لتلامس عمق الأسئلة المتعلقة بالسيادة، ومستقبل الدولة، وتحولات ميزان القوة على الأرض. فالخرطوم، التي تحولت طوال الأشهر الماضية إلى رمز للفوضى والانتهاك والفراغ السيادي، والتنفيذي تعود – ولو جزئياً – لتكون مسرحاً لصناعة القرار الأعلى في الدولة رغم الدمار والتخريب الذي طالها.
هذا الاجتماع لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل كرسالة سياسية وأمنية متعددة الاتجاهات، تعكس محاولة واعية لإعادة تعريف المشهد السوداني في لحظة فارقة من عمر الصراع.
الخرطوم كرمز للسيادة لا كمجرد جغرافيا
انعقاد المجلسين ا في الخرطوم يمثل استعادة رمزية لمركز السيادة الوطنية والجهاز المدني التنفيذي ، ويبعث برسالة مفادها أن العاصمة، رغم ما أصابها من دمار وآلام ، لم تُسلَّم نهائياً لمنطق الأمر الواقع. فالدولة، حين تعود للاجتماع في عاصمتها، تقول عملياً إن معركة الشرعية لم تُحسم لصالح الفوضى، وإن فكرة “العاصمة البديلة” ليست قدراً دائماً.
كما أن هذه الخطوة تحمل بعداً سياسياً داخلياً، يتمثل في مخاطبة الرأي العام السوداني، الذي أنهكته الحرب، بإشارة مفادها أن الدولة لا تزال موجودة، وأن مؤسساتها العليا قادرة على الانعقاد واتخاذ القرار والتخطيط ومباشرة الخدمات وكافة مسئولياتها من داخل المجال السيادي لا من هوامشه.
دلالات أمنية تتجاوز المشهد العسكري
أمنياً، يصعب فصل الاجتماع عن تحول نسبي في معادلة السيطرة داخل الخرطوم، أو على الأقل عن قدرة القوات النظامية على تأمين حدث سيادي رفيع المستوى في قلب العاصمة. وهذا في حد ذاته مؤشر على انتقال تدريجي من مرحلة الدفاع وامتصاص الصدمة إلى مرحلة تثبيت الوجود وإدارة المناطق واستتباب الامن والتعافي من اختراقاته وبؤر الخلايا النائمة.
كما يعكس الاجتماع محاولة لإعادة ضبط القرار الأمني من داخل الميدان، وليس من مقار بعيدة عن مسرح العمليات، بما يعزز التنسيق بين المكونات العسكرية والأمنية، ويعيد ترتيب الأولويات من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق السيطرة والانضباط وبسط القانون وهيبة الدولة، وتحسس مواطن الخلل والضعف.
من إدارة الحرب إلى التفكير في ما بعدها
الأهم في دلالات الاجتماع أنه قد يشير إلى بداية انتقال ذهني ومؤسسي من إدارة الحرب بوصفها معركة بقاء، إلى التفكير في إدارة ما بعد المعركة، بما يشمل:
• تأمين المؤسسات والمرافق الحيوية،
• معالجة الفراغات الأمنية،
• ضبط السلاح خارج إطار الدولة،
• وإعادة بناء الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها.
• واستقامة المسار الحياتي والخدمي.
هذا التحول، إن صحّ، يمثل خطوة حاسمة في مسار استعادة الدولة، لأن كسب الحرب عسكرياً لا يعني بالضرورة كسب السلام أو استعادة النظام العام، لكنه درجة في اليقين والطمأنينة .
رسالة سياسية للطرف المتمرد وللخارج
يحمل الاجتماع أيضاً رسالة ردع سياسية ونفسية للطرف المتمرد، مفادها أن العاصمة لم تعد ساحة مستباحة، وأن الدولة مصممة على إعادة تمركزها المؤسسي فيها. كما يخاطب المجتمع الإقليمي والدولي بلغة مختلفة: السودان ليس دولة منهارة بالكامل ولن تكون كذلك رغم الصدمات، بل دولة تحاول استعادة مركز قرارها، وتعيد ترتيب بيتها الداخلي وأولوياته.
وفي هذا السياق، يكتسب الاجتماع أهمية خاصة في ظل تنامي الضغوط الدولية، سواء عبر المسارات الحقوقية أو السياسية، إذ يسعى السودان الرسمي إلى تقديم نفسه كطرف قادر على الحكم والسيطرة، لا مجرد ساحة نزاع مفتوح، وانه يتقدم بجهوده وتكامل الأدوار فيه.
اختبار النوايا لا نهاية المسار
مع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية لاجتماع مجلسي السيادة والوزراء في الخرطوم مرهونة بما سيترتب عليه من قرارات وإجراءات عملية. فاستعادة العاصمة كمكان للاجتماع لا تكفي ما لم تُترجم إلى:
• بسط فعلي للأمن، ومطلوباته الكلية
• حماية المدنيين، وتوفير الحياة الكريمة لهم
• محاسبة المنفلتين، بتأسيس دولة القانون والعدالة
• وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة على أسس مهنية وقانونية تعلى من شأن المواطن.
خلاصة
إن اجتماع مجلسي السيادة والوزراء في الخرطوم لا يُقرأ بوصفه إجراءً بروتوكوليًا، بل كرهان سياسي وأمني على إعادة مركز الثقل السيادي إلى العاصمة التي تتقدم في استعادة عافيتها، ومحاولة واعية للانتقال من منطق الحرب إلى أفق استعادة الدولة. غير أن هذا الرهان يظل معلقًا بسؤال جوهري: هل نحن أمام عودة حقيقية لمؤسسات الدولة، أم مجرد لحظة رمزية في مسار حرب لم تُحسم بعد؟
الحسم لن تصنعه قاعة الاجتماع، بل الشارع الخرطومي ذاته؛ هناك فقط سيُختبر صدق القرار، وقدرة الدولة على تحويل الرمزية إلى سيادة، والانتصار العسكري إلى أمن مستدام، والوجود المؤسسي إلى مشروع دولة يُستعاد بالفعل لا بالخطاب، وجهود الشعب ايضاً مهم لتكمل ما تفعله يد الدولة لاستدامة هذه المعاني لتكامل رسالة الأمن القومي الشامل بلوغا للتعافي الكامل.



