مقالات الرأي
أخر الأخبار

عودة مطار الخرطوم .. دلالة التعافي السيادي واستعادة الوظيفة العامة للدولة

شكّل هبوط أول رحلة جوية في مطار الخرطوم قادمة من بورتسودان، بعد توقفٍ دام منذ 15 أبريل 2023، حدثًا يتجاوز بعده التشغيلي والفني، ليحمل دلالات سياسية وسيادية عميقة، خصوصًا في ظل التعافي التدريجي الذي بدأت تشهده الدولة السودانية ومؤسساتها الحيوية بعد ما يقارب عامين من حربٍ استهدفت جوهر الدولة ووظائفها الأساسية، وليس فقط أطرافها العسكرية.

لم يكن مطار الخرطوم خلال الحرب مجرد مرفق مدني تعطّل بفعل الاشتباكات، بل كان في أيامها الأولى نقطة الانطلاق الرمزية للتدمير المنهجي. فقد استُهدف المطار والطيران المدني في الساعات الأولى للحرب ضمن استراتيجية واضحة هدفت إلى شلّ حركة الدولة، وعزل العاصمة عن محيطها الوطني والإقليمي، وإرسال رسالة سياسية قاسية مفادها أن الخرطوم لم تعد عاصمة قابلة للحكم أو للحياة الطبيعية. ومن هذا المنظور، فإن عودة الطيران إلى مدرجات المطار اليوم تمثل انتقالًا رمزيًا من مرحلة الهدم المفتوح إلى مرحلة استعادة الحد الأدنى من الوظيفة العامة للدولة.

إعادة التشغيل الجزئي للمطار تعكس، في جوهرها، تحولًا نوعيًا في ميزان الفعل داخل العاصمة. فالمطارات تُعد من أكثر المرافق السيادية حساسية، ولا يمكن تشغيلها في بيئات الفوضى المطلقة أو في ظل انعدام السيطرة الأمنية والإدارية. إن هبوط طائرة مدنية واحدة يفترض ضمنًا وجود قدرة على تأمين المجال الجوي، وضبط محيط المطار، وتوفير الحد الأدنى من التنسيق المؤسسي بين الأجهزة المختصة، وهي كلها مؤشرات تعافٍ لا يمكن التقليل من شأنها، مهما حاول البعض التعامل معها كخطوة رمزية محدودة.

الدلالة السيادية لعودة مطار الخرطوم تتجاوز مسألة النقل الجوي، لتلامس مفهوم استعادة الدولة لحقها في إدارة الفضاء العام. فالمطار ليس مجرد منشأة خدمية، بل بوابة سيادة، ومنصة اتصال بالعالم، وعلامة على بقاء العاصمة ضمن الخريطة السياسية والاقتصادية للدولة. وفي تجارب النزاعات المسلحة، غالبًا ما تكون المطارات من آخر المرافق التي تعود للعمل، لأنها تختصر فكرة السيطرة، والاعتراف، والتنظيم. وعليه، فإن عودة المطار تمثل رسالة واضحة بأن مشروع تفكيك الدولة وعزل عاصمتها لم يحقق أهدافه كاملة.

تأتي هذه الخطوة في سياق متزامن مع معطى إنساني واجتماعي بالغ الأهمية، يتمثل في عودة أكثر من ثلاثة ملايين مواطن إلى مناطقهم، وفق تقارير منظمة الهجرة الدولية. هذه العودة الجماعية لا يمكن فصلها عن مؤشرات تحسن نسبي في البيئة الأمنية والخدمية، كما لا يمكن فصلها عن حاجة الدولة إلى إعادة تشغيل منافذها السيادية لدعم الاستقرار المجتمعي. فحركة العودة ليست فعلًا عاطفيًا فقط، بل قرارًا مرتبطًا بوجود مؤسسات، وبنية نقل، وخدمات أساسية، وإشارات تطمين بأن الدولة قادرة – ولو جزئيًا – على استعادة دورها.

في هذا السياق، يشكل مطار الخرطوم عنصرًا محوريًا في معادلة تطبيع الحياة. فهو يعيد ربط العاصمة ببقية البلاد، ويكسر العزلة التي فُرضت عليها قسرًا، ويفتح نافذة للتواصل الإنساني، والدبلوماسي، والاقتصادي، بعد فترة طويلة من الانقطاع. كما يمنح المواطنين، خصوصًا العائدين، إحساسًا بأن الخرطوم لم تعد فضاءً معلقًا خارج الزمن، بل مدينة تحاول استعادة شروط الحياة رغم كلفة الحرب.

ولا يمكن قراءة عودة المطار بمعزل عن طبيعة الصراع القائم. فالحرب في السودان لم تكن مواجهة عسكرية تقليدية فحسب، بل صراعًا على معنى الدولة ذاتها. ومنذ بدايتها، استهدف التمرد المدنيين، والبنية التحتية، والخدمات الأساسية، وكل ما يرتبط بإمكانية تطبيع الحياة، في محاولة لتحويل المدن إلى مساحات طاردة للحكم والاستقرار. في المقابل، تمثل عودة المؤسسات للعمل، ولو بشكل تدريجي، فعل مقاومة مدنية–سيادية في مواجهة منطق الفوضى والسلاح.

إن تشغيل مطار الخرطوم في هذا التوقيت يندرج ضمن معركة موازية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، وهي معركة استعادة اليوميّ المدني وانتزاعه من قبضة الحرب. فكل مرفق يعود للخدمة، من مطار إلى مستشفى أو محطة كهرباء، يمثل هزيمة رمزية لمشروع التدمير، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعًا بين دولة تسعى لإعادة بناء وظائفها، وقوى لا تملك مشروع حكم، بل أدوات تعطيل وتخريب.

مع ذلك، لا ينبغي تحميل عودة المطار أكثر مما تحتمل. فهي لا تعني نهاية الحرب، ولا تمثل إعلان نصرٍ سياسي أو عسكري، كما لا تلغي حجم الدمار الذي لحق بالعاصمة ومؤسساتها. لكنها في الوقت نفسه لا يمكن اختزالها في إجراء تقني. إنها مؤشر على تحسن نسبي في القدرة على الإدارة والسيطرة، وبداية انتقال حذر من مرحلة الصمود الاضطراري إلى مرحلة استعادة الوظيفة العامة للدولة.

في المحصلة، تمثل عودة التشغيل الجزئي لمطار الخرطوم إعلانًا سياديًا صامتًا بأن الدولة السودانية، رغم ما تعرضت له من إنهاك واستنزاف، ما زالت قادرة على التقاط أنفاسها، واستعادة بعض أدواتها، وبناء شروط الحياة من قلب الركام. وهي رسالة للداخل بأن العاصمة لم تُهزم، ورسالة للخارج بأن الخرطوم ليست ساحة فوضى مفتوحة، بل عاصمة تُستعاد تدريجيًا، مرفقًا بعد مرفق، ووظيفة بعد وظيفة.

وفي سياق حربٍ طال أمدها، يصبح هبوط طائرة مدنية فعلًا سياسيًا بامتياز، ودليلًا على أن معركة الدولة لم تُحسم بعد، لكنها دخلت مرحلة جديدة: مرحلة السعي الصعب، والمتدرج، لاستعادة الحياة ونبضها في اهم مرافق الدولة التي تربطها بالخارج والداخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى