مقالات الرأي
أخر الأخبار

التصريحات السعودية وسؤال التوقيت: قراءة في دور الرياض وتحولات الإقليم في ملف السودان!؟

السفير.د.معاوية البخاري

في خضم حرب معقدة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية، جاءت تصريحات وزارة الخارجية السعودية الأخيرة بشأن السودان لتفتح بابًا واسعًا للتأويل السياسي، لا بسبب توقيتها فحسب، بل لحدة رسائلها ووضوح مضامينها. فهذه ليست تسريبات عابرة أو مواقف إعلامية قابلة للتأويل، بل موقف رسمي صريح يرفض التدخلات الخارجية، ويُدين إدخال السلاح غير الشرعي، ويربط بشكل مباشر بين مليشيا الدعم السريع واستمرار معاناة الشعب السوداني وتقويض فرص السلام والاستقرار.

وتكتسب هذه التصريحات دلالتها الأعمق إذا ما وُضعت في سياقها التاريخي والسياسي؛ إذ لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا بعيدة عن تعقيدات المشهد السوداني، بل شهدت مرحلة مشاركة قوات الدعم السريع ضمن التحالف العربي في عاصفة الصحراء/اليمن، وهو ما يجعل الموقف السعودي الحالي أكثر وزنًا وتأثيرًا. فبرغم هذا الإرث المعقّد، لم تتردد الرياض في الخروج بموقف أخلاقي وسياسي متقدم، يُدين جرائم الدعم السريع، ويحمّل الجهات التي تمده بالسلاح والطائرات المسيّرة مسؤولية إطالة أمد الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية في السودان.في سياق اعادة هندسة الأوضاع استراتيجيا بخليج عدن ومضيق باب المندب والقرن الأفريقي والبحر الأحمر اثر التطورات باليمن والصومال.

إن هذا التحول لا يعكس فقط مراجعة سعودية لتوازنات الواقع، بل يشير إلى إعادة تعريف لدور المملكة في مقاربة السلام الإقليمي، بوصفها فاعلًا يسعى إلى ضبط التدخلات، وتجفيف منابع التسليح غير المشروع، والانحياز لمعاناة الشعوب لا لحسابات المليشيات. ورعاتها ومن هنا، لا يمكن قراءة التصريحات السعودية الأخيرة إلا باعتبارها مؤشرًا على مقاربة جديدة ترى أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، وأن أي سلام حقيقي لا يمكن أن يُبنى في ظل عسكرة الفوضى وتدويل المليشيا والسكوت عن جرائمها.

أولًا: لماذا الآن؟ دلالة التوقيت وسياق التصعيد السياسي

يأتي هذا الموقف في لحظة يتعرض فيها السودان لضغوط متزايدة للقبول بتسويات سياسية متعجلة ومجحفة، تُقدَّم تحت عناوين “وقف الحرب” و“الاستجابة الإنسانية”، لكنها تتجاهل جوهر الصراع: التدخل الخارجي، وتدفق السلاح، ووجود مليشيا مسلحة متمردة تنازع الدولة على الشرعية والسيادة.

التوقيت هنا ليس بريئًا؛ إذ يتزامن مع محاولات إعادة تدوير مسارات تفاوضية فقدت صلاحيتها، ومع خطاب دولي يسعى إلى فرض “سلام شكلي” يُدار من الخارج، ولو على حساب تماسك الدولة السودانية واستمرار المعاناة الإنسانية. من هذا المنظور، تبدو التصريحات السعودية بمثابة فرملة سياسية لهذا الاندفاع، ورسالة مفادها أن السلام لا يُفرض بالضغط، ولا بمشروعات الخارج، ولا يُبنى مع استمرار تغذية الحرب.

ثانيًا: من الوساطة الحذرة إلى الموقف المبدئي

لطالما حرصت المملكة العربية السعودية على لعب دور الوسيط المتوازن في الملف السوداني، انطلاقًا من مركزها الديني وموقعها الإقليمي وثقلها السياسي. غير أن اللهجة التي حملتها التصريحات الأخيرة تشير إلى انتقال واضح من الحياد الإجرائي إلى الموقف المبدئي القائم على الحل المستدام وفق أسس السيادة الوطنية ورفض الفوضى.

فالتأكيد على رفض إدخال السلاح غير الشرعي لا يستهدف طرفًا بعينه بقدر ما يضع إطارًا عامًا لأي حل سياسي محتمل. الرسالة هنا واضحة: لا معنى للحديث عن تسوية سياسية في ظل استمرار قنوات التسليح المفتوحة والتمويل المادي ، ولا يمكن تحميل الدولة وحدها كلفة السلام بينما تُترك الأطراف الأخرى دون مساءلة.

ثالثًا: حماية فكرة الدولة في مواجهة الضغوط الدولية

أحد أهم أبعاد الدور السعودي في هذا السياق يتمثل في الدفاع غير المباشر عن فكرة الدولة الوطنية في السودان. فالمملكة تدرك أن الضغوط التي تُمارَس على الخرطوم لا تستهدف فقط وقف الحرب، بل تسعى في بعض الأحيان إلى إعادة هندسة المشهد السياسي بطريقة تضعف المؤسسات الرسمية، وتمنح شرعية لقوى الأمر الواقع.ولا تأبه بمعاناة الشعب.

من هنا، فإن رفض الرياض للمقاربات التي تساوي بين الدولة والمليشيا لا يُقرأ كاصطفاف عسكري، بل كاختيار استراتيجي لصالح الاستقرار طويل الأمد. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن مكافأة السلاح خارج إطار الدولة لا تنتج سلامًا، بل تؤسس لدورات عنف جديدة، وتمدد شرارة الحرب الي كل المنطقة.

رابعًا: السلام بين الواقعية السياسية والضغط الإنساني

لا تنكر المملكة حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون، لكنها تميّز بوضوح بين الاستجابة الإنسانية والابتزاز السياسي. فالتصريحات السعودية تعكس إدراكًا متقدمًا بأن استخدام المعاناة الإنسانية كوسيلة ضغط لفرض حلول غير متوازنة يضر بالسلام أكثر مما يخدمه، ويشرعن للتمرد على الدولة.

في هذا الإطار، تحاول الرياض إعادة تعريف “السلام الواقعي”: سلام يمر عبر وقف التدخلات الخارجية، وتجفيف مصادر السلاح، ثم إطلاق عملية سياسية سودانية – سودانية، لا تُدار من غرف مغلقة ولا تُفرض بجداول زمنية منفصلة عن الواقع الميداني والمزاج الشعبي العام.

خامسًا: تحولات الإقليم وأمن البحر الأحمر

لا يمكن عزل الموقف السعودي عن التحولات الأوسع في الإقليم. فالمنطقة تشهد إعادة ترتيب للأولويات، حيث بات الاستقرار، وأمن الممرات البحرية، ومنع تمدد الفوضى، عناوين مركزية في السياسات الإقليمية. والسودان، بحكم موقعه الجغرافي، يمثل ركيزة أساسية في أمن البحر الأحمر والعمق العربي والأفريقي.

من هذا المنطلق، فإن رفض استمرار الحرب في السودان لا ينفصل عن رفض تحويله إلى ساحة صراع مفتوح بالوكالة. والمملكة، التي استثمرت خلال السنوات الأخيرة في تهدئة الإقليم وتصفير الأزمات، لا ترى في السودان استثناءً، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنطقة على إنتاج حلول مستقلة بعيدًا عن الوصاية الدولية.

سادسًا: رسالة إلى الداخل والخارج

تحمل التصريحات السعودية رسالتين متوازيتين:

للخارج، مفادها أن أي مسار سلام يتجاهل جذور الصراع محكوم بالفشل، وأن الضغط على الدولة دون كبح التدخلات الخارجية هو وصفة لإدامة الحرب والابقاء على حالة الهشاشة.

وللداخل السوداني، بأن هناك دعمًا إقليميًا لفكرة الدولة، ولحل سياسي لا يقوم على الإملاء، بل على توازن واقعي يحفظ السيادة ويُنهي الفوضى ويدعم استقرار الاقليم.

الخلاصة: سلام حقيقي أم إدارة أزمة؟

في المحصلة، تعكس المواقف السعودية الأخيرة انتقالًا محسوبًا من منطق إدارة الأزمة إلى محاولة واعية لتوجيه مسار الحل نفسه. فهي لا تُعطّل فرص السلام، بل تُعيد تعريفه على أسس أخلاقية وسياسية واضحة: لا سلام مع السلاح غير الشرعي، ولا عملية سياسية تحت فوهة البنادق، ولا استقرار مستدام دون احترام سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها الوطنية. وهو طرح يضع جوهر الأزمة في مكانه الصحيح، بعيدًا عن مقاربات التجميد المؤقت للصراع أو إعادة تدوير المليشيات في واجهات سياسية وتبييض الأمر الواقع بالقوة.

ويتجاوز الدور السعودي في هذا السياق صورة “الراعي المنحاز” أو الوسيط التكتيكي، ليقترب من دور الضامن الإقليمي لفكرة السلام المستدام، لا سيما في لحظة تشهد فيها المنطقة مراجعات عميقة لمساراتها السابقة في إدارة النزاعات. فحرص المملكة المعلن على سيادة السودان ووحدته، والإبقاء على مؤسساته الوطنية، يتسق مع شبكة أمان إقليمية آخذة في التشكل، تضم مصر وقطر وتركيا، وتقوم على رفض تفكيك الدول أو شرعنة المليشيات بوصفها أمرًا واقعًا.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الموقف السعودي عن تحركاتها على الساحة الدولية، بما في ذلك حثّها الإدارة الأمريكية على ما يمكن تسميته “التدخل الموجب” لدعم السلام في السودان، لا عبر فرض صيغ متجاوزة للواقع، بل عبر الضغط على مصادر التسليح غير المشروع وتجفيف روافده. وهو ما يضع الطرح السعودي في مسافة نقدية واضحة من مقاربة المبعوث الأمريكي، التي ما تزال تدور حول فكرة الهدنة والرباعية، وهي مقاربة يرفضها السودان رسميًا وشعبياً باعتبارها تجاوزتها الوقائع الميدانية واعتراها خلل بنيوي منذ نشأتها.

وإذا ما جرى استثمار هذا الدور السعودي ضمن رؤية إقليمية منسقة، تراعي سيادة السودان وتخاطب جذور الصراع لا أعراضه، فقد تشكّل المملكة نقطة ارتكاز حقيقية لإنهاء الحرب؛ لا عبر تجميدها أو إدارتها، بل عبر تفكيك أسبابها السياسية والعسكرية والاقتصادية. عندها فقط، يمكن للسلام أن ينتقل من كونه تسوية هشة إلى مشروع استقرار قابل للحياة، يعيد للدولة السودانية مكانتها، وللمنطقة توازنها المفقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى