السودان بين استقطاب مجلس الأمن وتدوير الرباعية..قراءة في الانقسام الدولي ودروس الأزمة

السفير.د.معاوية البخاري
في جلسة مجلس الأمن الدولي التي انعقدت يوم ١٩ فبراير 2026 حول تطورات الأزمة في السودان، على مستوى وزاري برئاسة وزيرة خارجية بريطانيا (الدولة حامل القلم)، ظهر الانقسام الدولي بوضوح في الخطاب والتحالفات: بنبرة أوروبية‑أمريكية وحلفائهم، في مواجهة موقف أكثر تمسّكاً بالشرعية الوطنية وجبهة إقليمية ودولية أوسع تضم الاتحاد الأفريقي، الصين، روسيا، والسعودية ومصر وتركيا. تبلور هذا الانقسام في اعادة انتاج الخطاب الذي بدأ منذ ايام الحرب الاولى باستبعاد الحل العسكري ومساواة الدولة بالتمرد، والتعويل على المقاربات التكتيكية لا حل الأزمة وجذورها. وهذا لا يعكس فقط اختلافاً في السياسات الدولية تجاه الخرطوم، بل يكشف عن صراع سرديات مضللة وانحياز متعمد وغير منصف، وحلول تتراوح بين أطر خارجية مفروضة وبين احترام الديناميات الداخلية للسودان وخيارات شعبه بعيداً عن الوصاية ومشروعات دولة نافذة وطموحات شاطحة لتفكيك البلاد والمؤسسة العسكرية السودانية .
الخطاب الأوروبي‑الأمريكي والرباعية: فرضية الحل الخارجي؟
المشهد الدولي خلال الجلسة أظهر دفعاً واضحاً من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو الآلية الرباعية الدولية كإطار أساسي لمعالجة الأزمة وفرض فكرة الطرفانية بانحياز ممنهج . وهي الآلية التي تم رفضها لغيابها البنيوي وهي تضمّ الإمارات وتملي ارادتها عبر الضغط على الحكومة السودانية من قبل امريكا، بإسناد بريطاني ، انعكس في معادة الوزيرة البريطانية لاستكمال الجلسة دون أن تستمع لوجهة نظر السودان ومن يساندونه . وخطاب التحالف الأوربي الأمريكي يحمل خطاب هؤلاء دعوات متكررة إلى وقف إطلاق النار وهدنة إنسانية شاملة دون اليات او ادانة واضحة للتمرد وانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان والتي ترقي للتطهير العرقي والإبادة الجماعية وجرائم الحرب . في هذا الإطار، كان حضور كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس ملفتاً، لا فقط لكونه جرى تقديمه كمحرك أساسي للمبادرات الأميركية، بل لـ نبرة خطابه التي اتسمت بمحاولات مساواة الدولة بالتمرد، وفرض رؤية مفادها أن حلّ الأزمة يستدعي علاجاً خارجياً يتجاوز ما يمكن أن تقدّمه القيادة السودانية نفسها(لن نسمح لجنرالات بحكم السودان).
هذه النبرة الاستعلائية التدخلية، التي عبر عنها بولس من المنصة الدولية، تفهمها أطراف سودانية كمساواة غير دقيقة بين مؤسسات الدولة والمليشيا المتمرّدة، وتُعتبر كذلك خروجاً عن اللياقة الدبلوماسية في كونها تقلّل من الاعتداد بمرئيات القيادة الوطنية وشراكة سياسية سودانية مركزية في الحل. كما سُجلت دعوات من هذه الجهة إلى معاقبة ما وصف بـ “الطرفين المتحاربين” ودمج هذه الدعوات ضمن إطار الرباعية، وهو ما أثار استياء القوى الوطنية التي ترى في ذلك تسطيحاً للصراع وتجاهلاً للعوامل المحلية المعقّدة.
هذا الخطاب ترافق، بحسب متابعة محلية ودولية، مع ترديد وصف غير دقيق لمجموعات في الساحة السودانية بـ “الميليشيات الإسلاموية” وهو توصيف مضلل حمل دلالات فُهمت في الخرطوم على أنها تعميمات تسهم في تخريب فهم الواقع السياسي والاجتماعي للسودان، وتغذي سردية خارجية لا تميّز بين فصائل متباينة في موقفها من الدولة والتحالفات، وتجاوز التوصيف الدقيق للتمرد كمنظمة ارهابية رغم الإدانة والعقوبات.
المواقف الداعمة للرباعية، والتي ركّزت بالأقوال على وقف الحرب فوراً، ودعم المبادرات الإنسانية والسياسية الخارجية، وحشد التمويل الدولي، وما الي ذلك من عبارات مستهلكة، لاقتها أيضاً أصوات نقدية انتقدت محاولة تفعيل حلول تقليدية ومختصرة لا تلائم سياق السودان المركّب، مع تحذير من أن إدخال أجندات حلفاء كالإمارات ضمن مبادرات الحل قد يساهم في تعطيل الحلول الوطنية المستدامة ويكافي الجاني على حساب الضحايا من المدنيين.
البديل: الثلاثي الإفريقي، الصين، روسيا، وشبكة أمان السودان
في المقابل، جاءت مواقف الاتحاد الأفريقي والأطراف الدولية الكبرى أكثر تأكيداً على احترام السيادة السودانية ووحدة الأراضي والمؤسسات، ورفض “الكيانات الموازية” التي قد تنتج عن حلول خارجية مفروضة. ، وقد كرر الاتحاد الأفريقي انه لا يعترف سوى بـ “سودان واحد”، وأن الحل يجب أن ينبع أولاً من داخل البلاد عبر حوار وطني شامل يضمن مشاركة جميع الأطراف المعنية في رسم مسار السلام.
كما لعبت كل من الصين وروسيا دوراً ملحوظاً في الموقف الدولي الداعم لنهج الحوار السياسي الداخلي، وطرح رؤى تُركّز على احترام السيادة ورفضها تدخل القوى الخارجية في التفاصيل السياسية للبلاد، وهو نهج تلائم تحالفاتها الاستراتيجية مع مجمل العلاقات الإقليمية، ويضعها في مواجهة غير معلنة مع التوظيفات السياسية الخارجة عن إطار الأمم المتحدة ومصادرة دورها تحت مسميات لها أهداف شريرة في السودان.
على المستوى الإقليمي، تمثل السعودية ومصر وتركيا شبكة أمان إقليمية يمكن أن تُدار باعتبارها قوى فاعلة لها مصالح استراتيجية في استقرار السودان وأمنه، ليس فقط من منظور محلي، بل من منظور الإقليم العربي والإفريقي. ومثّل حضور ممثلي السعودية ومصر وتركيا في اجتماع نيويورك إشارة إلى محاولة إقرار مسار متعدد الأطراف في التعامل مع الأزمة، ليس خاضعاً فقط لرؤية الرباعية الغربية المرفوضة ، بل استيعاباً للمواقف الأفريقية والعربية أيضاً والمزاج الشعبي العام المساند للدولة.
فكرة رفض الحل العسكري
وصف بعض أطراف التحالف الأوروبي–الأمريكي لما يجري في السودان بأنه “عسكرة للحل” يعكس انحيازاً في الرغبة والقراءة؛ إذ يتجاهل أن أصل الأزمة تمردٌ مسلح خرج على الشرعية واستهدف مؤسسات الدولة بدعم خارجي.
الدولة وجيشها لا “يعسْكران” المشهد، بل يمارسان واجبهما في إنفاذ القانون، وحماية الأرض والعِرض، وصون السيادة. وأي مقاربة تساوي بين الدولة وتمرد يحمل مشروعاً تدميريا لكيان الدولة وتفكيك جيشها وإفقار شعبها، أو تضغط لوقف نار غير مشروط، إنما تمنح غطاءً لإطالة الأزمة بدلاً من إنهائها.
فالحل السياسي مطلوب، لكن لا يكون عبر مكافأة السلاح وفرض الأمر الواقع بالقوة ولجم يد الدولة، أو الانتقاص من حقها في دحر العدوان والدفاع عن سيادتها وأمنها القومي كسائر الدول.
تداعيات الانقسام الدولي والحلول الممكنة
الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي وفي دوائر السياسة الخارجية يعكس صراعاً بين نهجين: تسوية تُصاغ خارج السودان وتُفرض بميزان الضغط الدولي، مقابل مقاربة ترتكز على السيادة الوطنية وحوار داخلي مدعوم إقليمياً ودولياً دون وصاية. استمرار هذا التباين يهدد بإطالة أمد الحرب وتحويل الأزمة إلى ساحة تنافس نفوذ.
الحلول المستدامة ينبغي أن تقوم على ثلاثة مرتكزات:
• أولوية المبادرات الأفريقية–العربية–الإقليمية التي تمنح القيادة السودانية موقع الصياغة وتحافظ على وحدة الدولة وسيادتها.
• رفض مساواة الدولة بالتمرد بوصفهما طرفين متكافئين؛ فذلك اضعاف الشرعية ويكافئ حملة السلاح ويتجاهل الوقائع الميدانية على الارض.
• تجنّب المصطلحات التعميمية المسيّسة التي تخلط بين المكونات وتحمّل الدولة كامل تبعات تمرد مسلح مدعوم من الخارج دون معاقبة، يعمّق الاستقطاب ولا يخدم التسوية.
أي مسار لا ينطلق من مرجعية الملكية للدولة وسيادتها سيبقى هشّاً؛ أما الحل الجاد فهو ما يُنهي التمرد ويفتح باب السياسة على قاعدة وطنية لا على إملاءات وأجندات خارجية.
أخيراً، لا يمكن تجاهل أن الحل في السودان، مثل غيره من النزاعات المعقدة، يتطلب مزيجاً من الضغط الدولي المتوازن والداعم للسلام، ، واحتراماً كاملاً لإرادة الشعب والقادة السودانيين في رسم مسار اتفاق شامل ومستدام — بعيداً عن مشاريع خارجية مفروضة أو سرديات لا تتوافق مع واقع الساحة السياسية والاجتماعية.
وقد كان بإمكان السودان استثمار الانقسام الدولي لصالح موقفه، بالرد على عبارات التجاسر على الدولة السودانية وقيادتها ، لكن خطاب السودان جاء فضفاضاً ومليئ بالمجاملات غير المجدية، وبعض الإشادات دون استحقاق، في وقت تسلّطت فيه بريطانيا، كرئيسة للجلسة وحاملة القلم، وفرضت سيناريو جعلها وكانّها تثبت فرض حلول خارجية معلبة، بما يمد أمد الحرب ويمنح التمرد فرصة لإعادة التموضع، طالما لم تنصاع الدولة لرغباتهم في قبول هدنة على طريقتهم واتفاق سياسي مفخخ، يبقي التمرد ورعاته ومناصريه في المشهد رغم الهزائم العسكرية، والجرائم والانتهاكات وسيل الادانات.ليجئ رد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة على مخرجات الجلسه برفض أي دور للإمارات كوسيط، او لوقف النار في السودان دون انسحاب التمرد. وتطل الرؤية الوطنية هي المحدد الرئيس لاي مسار للحل مهما قللت بعض الأطراف من قدرتها على كتابة الحل.


