مقالات الرأي
أخر الأخبار

السودان بين الطائرة الأممية والعقوبات الدولية..هل بدأ تضييق الخناق على المليشيا؟

السفير.د. معاوية البخاري 

لم يكن هبوط طائرة تابعة لـUnited Nations في مطار الخرطوم، وعلى متنها منسق الشؤون الإنسانية وعدد من كبار المسؤولين، حدثًا بروتوكوليًا عابرًا في سياق حرب مستعرة ومفروضة على البلاد . كما لم تكن دعوة Human Rights Watch دول العالم إلى عدم الصمت حيال دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع مجرد بيان حقوقي اعتيادي. وحين نضع هذين التطورين إلى جانب العقوبات التي فرضها United Nations Security Council مؤخرا على عدد من كبار قادة التمرد، فإننا أمام مشهد يتجاوز التزامن الزمني إلى ما يشبه إعادة تشكيل تدريجية لمقاربة المجتمع الدولي تجاه الصراع في السودان.

السؤال المركزي هنا: هل نحن أمام بداية تحول حقيقي في موازين الضغط الدولي، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكية ضمن لعبة توازنات أكبر؟

أول دلالة مهمة في زيارة الوفد الأممي هي عودة الحضور الدولي المباشر إلى العاصمة. فالعمل الإنساني خلال الأشهر الماضية كان يتحرك في فضاء رمادي بين العواصم الإقليمية والممرات الحدودية، ما أضعف في بعض الأحيان مركزية الدولة في إدارة الملف الإنساني. اليوم، حين تهبط طائرة أممية في الخرطوم، فإن الرسالة السياسية الضمنية تقول إن المرجعية الرسمية لا تزال قائمة، وإن التعامل الدولي، على الأقل في الشق الإنساني، لا يمكن أن يتجاوز مؤسسات الدولة وامتلاكها للمبادرة.

هذا التطور يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة في إدارة الإغاثة، ويضعف سردية المليشيا التي حاولت تسويق نفسها كأمر واقع موازٍ يملك حق التفاوض باسم السكان في مناطق سيطرته. كما أنه يمنح الحكومة مساحة أوسع لتنسيق الجهود، بشرط أن تُدار هذه المساحة بكفاءة وشفافية.

في المقابل، تمثل دعوة هيومن رايتس ووتش منعطفًا في الخطاب الحقوقي المرتبط بالحرب. فبدلاً من الاكتفاء بتوثيق الانتهاكات داخل السودان، انتقلت المنظمة إلى تسمية الأطراف الإقليمية المتهمة بالدعم، والمطالبة بعدم الصمت الدولي حيال ذلك. هذا التحول من توصيف الأثر إلى مساءلة المصدر يفتح بابًا جديدًا في مسار الصراع: باب الضغط على شبكات الإسناد الخارجي وكشف حجم المؤامرة الخارجية من وراء هذه الحرب.

في الحروب الداخلية، نادرًا ما يكون السلاح محليًا بالكامل. الدعم المالي واللوجستي والسياسي هو شريان حياة أي تشكيل مسلح. وإذا تحوّل هذا الدعم إلى عبء سياسي وقانوني على الدول المتهمة به، فإن تكلفة الاستمرار فيه ترتفع تدريجيًا. هنا تكمن أهمية الخطاب الحقوقي حين يتقاطع مع آليات مجلس الأمن.

العقوبات التي أقرها مجلس الأمن على عدد من قادة التمرد لا تغيّر موازين القوى عسكريًا بين ليلة وضحاها، لكنها تؤسس لمسار مختلف: مسار نزع الشرعية الدولية. فحين يُدرج اسم قائد ميداني على لوائح العقوبات، فإنه يتحول من فاعل سياسي محتمل في أي تسوية إلى شخصية مثقلة بقيود قانونية ومالية. حساباته تتعقد، وحركته تضيق، وتصبح قدرته على المناورة الدولية محدودة.

الأهم من ذلك أن العقوبات ترسل رسالة مزدوجة: للمليشيا بأن خيار “إعادة التدوير السياسي” دون مساءلة لم يعد مضمونًا، وللداعمين بأن الرهان على فرض واقع بالقوة قد لا يحظى بغطاء دولي مستدام مهما تطاولت السنين والايام .

لكن هل يعني ذلك أن المجتمع الدولي حسم خياره بالكامل لصالح الدولة؟ الواقع أكثر تعقيدًا. فالمؤسسات الدولية تتحرك عادة وفق توازنات دقيقة بين مبادئ القانون الدولي ومصالح الدول الكبرى. لذلك قد نكون أمام عملية ضغط تدريجية تهدف إلى دفع الأطراف نحو تسوية بشروط معدلة، لا إلى حسم عسكري صريح لأي طرف، هذا من تعمل لاجله الأطراف الراعية للحرب ، لكن الواقع والميدان له كلمته.

مع ذلك، فإن تزامن الضغوط الإنسانية والحقوقية والسياسية يشير إلى إدراك متزايد بأن استمرار الحرب بات عبئًا إقليميًا. تدفقات النزوح، وانهيار البنية الصحية، وتهديد الممرات التجارية في البحر الأحمر، كلها عوامل تجعل الصراع السوداني قضية تتجاوز حدوده الوطنية.

مستقبل الصراع سيتحدد إلى حد كبير بمدى قدرة كل طرف على قراءة هذه التحولات. إذا استطاعت الدولة توظيف اللحظة دبلوماسيًا، عبر بناء تحالفات أوسع وتقديم خطاب إصلاحي يطمئن الداخل والخارج، فقد تتحول العقوبات والزيارات الأممية إلى رافعة سياسية تعزز موقعها. أما إذا أُهدرت الفرصة في صراعات داخلية أو سوء إدارة، فقد تتبدد الضغوط الدولية أو يعاد توجيهها تحت عنوان ما يعرف “بالمساءلة المتوازنة”.

في المقابل، تجد المليشيا نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا: تضييق مالي محتمل، ضغط حقوقي متصاعد، وسيل من الادانات وتراجع في قابلية تسويقها كشريك سياسي مقبول. استمرارها في الرهان على الدعم الخارجي وحده قد يصبح خيارًا مكلفًا، خصوصًا إذا تحوّل ذلك الدعم إلى ملف علني على طاولة المؤسسات الدولية.

الخلاصة أن ما نشهده ليس نهاية للصراع، بل بداية مرحلة مختلفة منه: مرحلة تتداخل فيها أدوات الضغط الدولي مع حسابات الميدان. إنها لحظة اختبار لقدرة الفاعلين السودانيين على تحويل التحولات الخارجية إلى مكاسب استراتيجية تنهي هذه المعاناة، أو تركها تمر كحدث عابر في مسار حرب طويلة.

في مثل هذه اللحظات، لا تُحسم المعارك فقط في خطوط النار، بل أيضًا في دهاليز الدبلوماسية، وتقارير المنظمات، وقاعات مجلس الأمن. ومن يقرأ الإشارات مبكرًا، وتواترها ايجابا باتجاه المشهد الداخلي قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة قبل أن تفرضها عليه الوقائع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى