المبعوث الشخصي أم استعادة السيادة المؤسسية.. سؤال اللحظة في علاقة السودان بالأمم المتحدة؟

السفير.د.معاوية البخاري
يمضي السودان اليوم نحو قبول “مبعوث شخصي للأمين العام” للمرة الثانية، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بعد أن طوى صفحتي بعثتين أمميتين كاملتين هما يوناميد ويونيتامس وتحيط به الان حرب ضروس.
السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح: ما الذي تغيّر حتى نعود إلى صيغة سياسية جديدة، لواقع مجرب وفشل محسوس ولو باسم مختلف؟ وهل نحن أمام ضرورة دبلوماسية مدروسة، أم إعادة إنتاج لدور أممي أثبتت التجربة أنه مثار جدل سيادي وأمني عميق؟يستوجب أخذ العبر والدروس والميثاق الاممي يقف الي جانب الدولة وسيادتها، بعيدا عن الرؤى التبريرية التي لا تبني وطنا ننشده.
أولاً: من البعثة إلى “المبعوث”… تغيير اسم أم تغيير طبيعة؟
البعثات الأممية تُنشأ بقرار من مجلس الأمن، ولها تفويض مكتوب ومحدد، وسقف زمني وميزانية، وتقارير دورية ملزمة.
أما “المبعوث الشخصي” فهو أداة أخف مؤسسياً، وأكثر مرونة سياسياً، يعمل بتكليف مباشر من الأمين العام دون قرار إنشاء بعثة جديدة، ولكنه يقعد عقبة امام المسار المتعارف عليه بين الامم المتحدة وكيان الدولة .
هذه الخفة المؤسسية لا تعني بالضرورة خفة التأثير السياسي.فالمبعوث يتحرك بين الأطراف، يرفع إحاطات، ويؤثر في تشكيل التصورات الدولية حول الصراع. وإذا غاب التفويض المكتوب الواضح، فإن مساحة التأويل تتسع، وتتحول المرونة إلى غموض. من حق الامين العام تعيين اي مسؤول رفيع داخل قبة المنظمة الدولية، ولكن في حالة الدول لابد من التشاور وضمان موافقة الدولة المضيف.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
أين التفويض التفصيلي؟ ما حدوده؟ ما سقفه الزمني؟ ما طبيعة علاقته بالحكومة؟ وهل هو مقيد بجدول زمني أم مفتوح على تقدير الأمين العام؟ وقد كان في السابق محدد بعامين، ومدى التفويض للمغامرة كان (مساعدة جهود حكومة السودان في تحقيق السلام والاستقرار بالبلاد)، ولماذا لم تطرح الفكرة الأصل بعودة المكتب القطري كأولوية قصوى والدولة تتعافي الان.
إن التجربة السابقة مع يوناميد ويونيتامس كانت قائمة على تفويض منشور ومحدد بموجب الفصل السابع للأولى والسادس للثانية . أما الآن، فإن الغموض ذاته أصبح محل قلق.والتأويل والالتفاف سمة مجربة في المنظمة الدولية.
ثانياً: لماذا لا يُعاد الاعتبار للمكتب القطري؟
الأصل في علاقة الأمم المتحدة بالدول ذات السيادة هو “الفريق القطري” (UN Country Team)، الذي يركز على التنمية والعمل الإنساني عبر الوكالات المتخصصة، دون إدارة عملية سياسية أو كتابة تقارير ذات طابع تدخلي.
العودة إلى هذه الصيغة تعني:
• حصر الدور الأممي في الدعم الإنساني والتنموي.
• إنهاء الطابع السياسي للتدخل.
• إعادة العلاقة إلى مسارها الطبيعي أسوة ببقية الدول.
لكن الإشكال أن السودان لا يزال مدرجاً على أجندة مجلس الأمن تحت بند السلم والأمن، مع استمرار نظام العقوبات وفريق الخبراء.
وهنا تتضح المعضلة: ما لم يُنجز تحرك دبلوماسي منظم لرفع السودان من هذه الأجندة، فإن القناة السياسية الأممية ستظل قائمة بصيغة أو أخرى. وليس من اطار قانوني أو تقني يلزم السودان بهذه الصيغة، وجدوى هذه المسميات اثبت فشله وعواره خاصة في الظرف الحالي.
ثالثاً: الضغوط الحقوقية وسياق التدويل
يتزامن تعيين مبعوث جديد مع تصاعد الضغوط من مجلس حقوق الإنسان، ومسارات مرتبطة بـ المحكمة الجنائية الدولية، ما يعكس أن الملف السوداني ما يزال في دائرة الرقابة الدولية المشددة، وانقسام واستقطاب حاد بين الاعضاء داخل مجلس الامن والقوى المعادية.
صحيح أن مجلس حقوق الإنسان جهاز تابع للجمعية العامة، وأن المحكمة الجنائية مؤسسة مستقلة قانونياً، لكن الواقع السياسي يُظهر تداخلاً في السرديات والتقارير والضغوط. ودور تكاملي تنسيقي، ربما يتطور لاعادة امر البعثة الاممية مرة ثالثة.
السؤال هنا ليس نظرياً:
هل يُراد للمبعوث أن يكون قناة إحاطة سياسية تمهد لمقاربات دولية جديدة؟
أم أنه مجرد وسيط لتسهيل التواصل دون أن يكون جزءاً من هندسة الحل؟
الفرق بين الدورين كبير، ويجب أن يُحسم كتابةً لا افتراضاً، ويكون للدولة وبعثتها الدائمة راي كتابي، لا ترك المهمة وولايتها للأقدار .
رابعاً: فريق الخبراء… الملف المؤجل
كان من المفترض أن يُنظر بجدية في إنهاء مهمة فريق الخبراء المرتبط بنظام العقوبات، خاصة مع انتهاء بعثة يوناميد بنهاية ٢٠١٩.
لكن التمديد استمر، وأصبح الفريق أداة ضغط سياسية، في ظل انقسام دولي واستقطاب إقليمي واضح، واختراق بين لعضويتها وتوجيه بوصلتها.
إن إنهاء هذه الآلية لا يتم بالتمني، بل بتحرك دبلوماسي منظم داخل مجلس الأمن، وببناء تحالفات قادرة على إقناع الأعضاء بأن أسباب إنشائه قد انتفت، والفريق يسعى الان لتمديد ولاية حظر السلاح من دارفور لكامل السودان.
دون ذلك، ستبقى التقارير السنوية مادة تُستثمر سياسياً ضد السودان، مهما تغيرت الصيغ.
خامساً: أين الإطار المؤسسي الوطني؟
الأخطر من كل ما سبق ليس وجود مبعوث أو غيابه، بل طريقة اتخاذ القرار.
هل جرى نقاش معمق داخل اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة؟
هل وُضعت خيارات متعددة؟
هل قُيّمت التجربة السابقة تقييماً موضوعياً؟
هل صيغت خطوط حمراء واضحة تُلزم أي دور أممي مستقبلي؟ وتحدد الية التعامل من المستجدات والطواريء!؟
التعامل مع الأمم المتحدة لا ينبغي أن يكون تكتيكاً مرحلياً تحت ضغط دولي، بل جزءاً من رؤية سيادية استراتيجية مكتوبة تُحدد:
• طبيعة العلاقة.
• حدود التدخل.
• آليات التنسيق.
• مسار الخروج من نظام العقوبات.
حتى لا تستغل المنظمة الاممية الوضعية الاستثنائية التي يعيشها السودان لمزيد من الاحاطة والتدويل والالتفاف.
سادساً: بين الواقعية والسيادة
لا يمكن إنكار أن السودان يمر بمرحلة حرب مفروضة ومعقدة، وأن البيئة الدولية لا تسمح بعزلة كاملة.لكن الواقعية السياسية لا تعني القبول المفتوح بأي صيغة غامضة، او الاستسلام لخياراتهم ، وقد أنهى السودان مهمة يان برونك وانهى مهمة فولكر بيرتس بارادته وقراره، وعزته، ماذا جرى!؟ لمن يرهبون القيادة بالداخل.
إن قبول مبعوث شخصي ليس أولوية ، وقد يكون خياراً تكتيكياً لتفادي عودة بعثة كاملة، لكن هذا الخيار لا يصبح مقبولاً إلا بشروط واضحة:
1. تفويض مكتوب ومعلن.
2. تحديد سقف زمني للتكليف.
3. حصر الدور في تسهيل الاتصالات لا إدارة العملية السياسية.
4. التأكيد أن المكتب القطري هو القناة المؤسسية الأساسية للعمل الأممي.
5. إطلاق مسار دبلوماسي لإنهاء نظام العقوبات وفريق الخبراء ضمن جدول زمني.
6. ويبقى شخص المبعوث وسمته واتساقه مع الثقافة والإرث الوطني امر له اهمية بالغة في القرار الوطني
خاتمة: القرار ليس إجرائياً بل استراتيجي
أمني ، لأن القضية ليست في شخص المبعوث، ولا في جنسيته وسلوكه فحسب، بل في فلسفة إدارة العلاقة مع الأمم المتحدة على هدى ما توافر من تجربة.
إما أن تُدار هذه العلاقة من موقع دولة تعيد تعريف دور المنظمة داخل حدود سيادتها، أو أن تُترك للفراغ والغموض فتتشكل وفق توازنات الآخرين وأجنداتهم.
السودان الذي أنهى بعثتين كاملتين مطالب اليوم بأن يحسم خياره:
هل يريد حضوراً أممياً إنسانياً تنموياً منضبطاً ومستداماً ؟ أم حضوراً سياسياً مرناً قد يتسع أو يضيق بحسب رياح مجلس الأمن، واردة حامل القلم البريطاني ومصلحة فنلندا واوربا عبرها في التحديد ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سيادية قبل أن تُكتب الإحاطة التالية باسم السودان في أروقة نيويورك.
