تقارير و تحقيقات وحوارات
أخر الأخبار

المدير العام لهيئة سكك حديد السودان موسى القوم الجهدي في حوار مع “صباح نيوز”:

 

العائد لا يغطي تكلفة التشغيل، وغير راضين عن اعتمادنا على وزارة المالية في تكملة المرتبات ومصروفات التشغيل.

• حدثت تعديات على أراضي وممتلكات الهيئة، ونسعى لاستردادها.

• مستقبل السودان رهين بتطوير السكة الحديد.

 

 

 

 

أثّرت الحرب — التي لا تزال مستمرة — على مؤسسات كثيرة، لكن هيئة سكك حديد السودان تُعد من أكثر المؤسسات تضرراً، خاصة في ولايات إقليم دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأزرق والقضارف.

“صباح نيوز” جلست إلى المدير العام للهيئة موسى القوم الجهدي، الذي تحدث بإسهاب عن خسائر الهيئة، والجهود المبذولة لإعادتها إلى سيرتها الأولى، كما تناول راهن الهيئة ومستقبلها.

حاورته:صباح أحمد 

 

 

 

ماهو وضع السكة الحديد منذ بداية الحرب وحتى اليوم؟ا

السكة الحديد أكثر مؤسسات الدولة تأثراً بالحرب. لدينا الأقاليم الغربية والجنوبية وجزء كبير من الأوسط خرجت تماماً عن الخدمة. عند استلامي مهام إدارة السكة الحديد كان الخط العامل فقط من عطبرة إلى بورتسودان، وحتى هذا الجزء كان متأثراً بسيول عام 2024 التي غطّت أجزاء كبيرة جدًا، مما تسبب في شبه شلل تام بالسكة الحديد.

خط الشمال لم يتأثر بالحرب، لكنه تأثر بالسيول، وبدأنا مباشرة في معالجة آثارها، ومن ثم إعادة فتح الخطوط المتعطلة. بدأنا بخط عطبرة – شندي، ثم شندي – الخرطوم، وفي أقل من شهرين تم فتح الخط وتسيير القطارات عليه. كما قمنا بتسيير قطارات عودة النازحين إلى ولاية الخرطوم في أربع رحلات مجانية متتالية برعاية رجل الأعمال حسن برقو.

حسنًا.. ما مدى تأثر محطات السكة الحديد بالحرب؟

دعيني أضرب لك أمثلة: لدينا قاطرات ديزل في ورشة الخرطوم، سبع قاطرات كبيرة وثلاث قاطرات مناورة تم سحبها إلى عطبرة وخرجت من الخدمة تماماً. كذلك لدينا وابورات قيد الفحص لتحديد حجم التلف وخرجت من الخدمة، وهذه الوابورات جديدة تم استجلابها عام 2022 ولم تعمل كثيراًأ

يضاً على امتداد الخطوط توجد مناطق تأثرت بالقذائف والدانات، وتضررت الكباري والخطوط والمباني. لدينا في الخرطوم مبنى المحطة القديمة تم تدميره بالكامل، وكذلك صالة الركاب الحديثة، وثلاثة مبانٍ في الخرطوم والرئاسة ووزارة النقل، كلها تأثرت مع بقية الوزارات. جزء كبير من الخط تضرر بفعل الدانات، وكانت المعالجة طويلة وما زالت متواصلة.

هل تم المرور على كل خطوط السكة الحديد المتضررة لتحديد حجم التلف؟

الخط بعد مدني لم يتم المرور عليه لتحديد التلف بدقة، أما الجزء الذي تم المرور عليه بواسطة المختصين فقد تم تحديد التلف وبدأنا الصيانة وفتح الخط من عطبرة حتى الخرطوم بحري، بعد أن تم المرور عليه بواسطة الجهات الأمنية والجيش وسلاح المهندسين والاستخبارات والفنيين والمهندسين التابعين للسكة الحديد.تم تحديد التلف من الناحية الأمنية، وأُزيلت الأجسام الغريبة غير المتفجرة، وسُمح لنا بالعمل بعد تأمين الخط. وتم تسيير قطار مخصص لحمل العاملين وأدوات العمل، كان يعمل من الصباح حتى المساء، ويتوقف عند غروب الشمس ليستأنف العمل في اليوم التالي، حتى وصلنا شندي في المرحلة الأولى، ثم شندي – الخرطوم في المرحلة الثانية، والآن نريد إعادة الكرّة بين الخرطوم ومدني.

(سكت قليلاً)

هي عملية مكلفة وشاقة، لكننا أنجزناها بحمد الله. الآن القطارات بدأت تسير، وسيرّنا قطارات محمّلة بمواد تموينية، وسنواصل تدريجياً في نقل المواد إلى الخرطوم جنوباً.

هل تم تقييم الخسائر بصورة شاملة؟

تقييم شامل لم يحدث حتى الآن. ما قمنا به هو تقدير تكلفة إعادة الخط وصيانة الجزء التالف وتأمين سير القطارات بأمان، إضافة إلى بعض الترميمات لمباني المحطات، خصوصاً مبنى المحطة المخصص لمراقبة وتسيير القطارات.أما مساكن العاملين المدمرة فما زالت كما هي، وقمنا بترتيب مساكن محدودة للطاقم العامل فقط. ركّزنا على تسيير القطار بالحد الأدنى من الإمكانيات. هدفنا الآن هو تسيير القطارات ونقل المواد الغذائية والمواطنين، فيما بعد سيتم تقييم الخسائر الكلية، عسى ولعل أن نحصل على نصيبنا من برنامج إعادة الإعمار.

سمعنا أن أراضي وممتلكات السكة الحديد تعرضت للتغول والاستيلاء من جهات رسمية وغير رسمية؟

النزاع على الأراضي قديم، من قبل الحرب، لكن في فترة الحرب وبسبب صعوبة الوصول لتلك المناطق ظنّ بعض الرسميين أو المواطنين أن السكة الحديد اندثرت في تلك الأقاليم وتوقفت فيها حركة القطارات.

 

• (مقاطعة)

أين تقع الأراضي التي تم الاستيلاء عليها؟

_من هيا إلى كسلا، والقضارف، وسنار، وحتى الدمازين، وكذلك محطات الجزيرة. كل المحطات المتأثرة بالحرب حصل فيها تغوّل، بل إن التغول كان موجوداً قبل الحرب وزاد بعدها.

هل هناك جهود لاسترداد تلك الأراضي؟

بحكم أن هيئة السكة الحديد مؤسسة اتحادية، فقد تعاملنا مع الولايات وفق مبدأ التعاون ومراعاة الخصوصيات والصلاحيات. استطعنا الوصول إلى تفاهمات واتفاقيات بالاستناد إلى المستندات والخرائط والمراسيم الرئاسية التي تثبت أن أراضي السكة الحديد أراضٍ حكومية اتحادية لا يجوز التغول عليها.

قمنا بتمليك هذه المعلومات للولايات، ووجدنا منهم تجاوباً، لكن التنفيذ يحتاج إلى بعض الوقت.

وماذا بشأن حقوق الولايات الإدارية؟

نحن في السكة الحديد نحترم حقوق الولايات الإدارية، ولذلك عندما نرغب في الدخول في استثمارات نتشاور مع الولايات لضمان توافق مصالح الهيئة والولايات والمستثمرين في المناطق المقصودة بالاستثمار.

يتم التنسيق بيننا حتى لا يقع المستثمر في صراع بين السكة الحديد والولاية، وهذا يتم بتعاون كامل.

تمام.. أين وصلت جهود استرداد أراضي السكة الحديد؟

كما قلت لك، تواصلنا مع ولايات القضارف وكسلا والجزيرة، ووصلنا إلى اتفاقيات. لدينا اتفاقية موقّعة مع ولاية القضارف وأخرى مع ولاية كسلا، والآن أثناء حديثنا هناك فريق على مستوى عالٍ في هذه الولايات لإكمال مستندات تسجيل الأراضي والحصول على شهادات البحث، والنظر في موضوع الاستثمار وتغيير الغرض في الأراضي المراد استثمارها سواء بنظام الإيجار، أو الدكاكين، أو الأكشاك، أو بنظام (البوت) قصير الأجل وطويل الأجل — سواء كانت ورشاً أو أبراجاً أو محطات وقود.

لكل هذه الأنواع من الاستثمار إجراءات واضحة من الجهات الإدارية والفنية، وبعد استيفائها نتحصل نحن على حقوقنا وفق قانون الاستثمار الخاص بالهيئة، وتجد الولاية والسكة الحديد نصيبهما من عائد الاستثمار.

هل تناقص طول خط السكة حديد عن السابق؟!

_الخط موجود، لكن الحرب عطّلت أجزاء منه. الجزء العامل حاليًا هو عطبرة – بورتسودان وعطبرة – الخرطوم، واعتبارًا من نوفمبر ستنتظم الرحلات للبضائع والركاب.

حسنًا.. هل تعتمد السكة الحديد على نفسها في التمويل أم على دعم الدولة؟

السكة الحديد من المفترض أن تموّل نفسها ذاتياً، لكن بعد الحرب، وحتى قبلها، تدهورت بعض الخطوط، وأحياناً نعجز عن تغطية المصروفات، فنلجأ إلى وزارة المالية للمساعدة.

لكننا نعمل بجد لتقليل الاعتماد على المالية في أسرع وقت، والاعتماد على أنفسنا في الفصلين الأول والثاني، بينما نعتمد على الدولة في مشروعات التنمية.

هل العائد يقابل تكلفة التشغيل أم هناك خسارة؟

_حتى الآن العائد لا يغطي تكلفة التشغيل. أقصد بالفصل الأول الرواتب، والفصل الثاني التشغيل، وغالباً نستعين بوزارة المالية لتغطية العجز.

يعني بدلًا من أن تدعموا البلاد، أصبحتم عبئاً عليها؟

_نحن غير راضين عن اعتمادنا على وزارة المالية في تكملة المرتبات ومصروفات التشغيل، ونريد الاعتماد على أنفسنا. إذا رتبت الدولة أولوياتها ودعمت السكة الحديد، سنكون من أكبر الداعمين للاقتصاد، بل أكثر من بعض المؤسسات التي تُعد الآن ركائز اقتصادية.

بالنسبة للفلنكات بأنواعها المختلفة: الخشبية، والحديدية، والخرصانية — من أين تحصلون عليها؟

الفلنك الخشبي نحصل عليه جزئياً من الغابات داخل السودان، وهي فلنكات السنط من ولايتي سنار والنيل الأزرق. لكن عندما تكون الحاجة أكبر من إنتاج المناشير المحلية نضطر إلى الاستيراد.

من أين؟

في التسعينيات كنا نستورد من ماليزيا، وسابقاً من غانا.

وماذا عن الفلنكات الحديدية؟

_نستوردها من الخارج، لدينا فلنكات من أوروبا وبريطانيا وإيطاليا والصين وغيرها.

والفلنكات الخرسانية؟

تُنتج محلياً، وقد أُنشئ مصنع لها في بحري شرق المحطة، وتُنتج بواسطة شركة صينية بنظام (البوت).

بحمد الله معظم الفلنكات المستخدمة في الخط المحدث من بورتسودان حتى مدني كانت خرسانية، والمواد المكوّنة لها متوفرة محلياً — الإسمنت والرمل والماء — باستثناء حديد التسليح، فهو يُستورد من الخارج.

هل لا تزالون تنقلون النفط والفيرنس كما في السابق؟

_نعم، نقل المواد البترولية بدأ بنقل خام البترول قبل تركيب خط الأنابيب. كنا ننقل الخام من مناطق الإنتاج في أبو جابرة والمجلد إلى مصفاة الأبيض، وتم تأهيل الخط واستجلاب مواعين (فناطيس) من جنوب أفريقيا، إضافة إلى فناطيس فرنسية سابقة.

وبعدها بدأنا نقل منتجات البترول: الجازولين والفيرنس والبنزين. وعندما تتغير نوعية المادة، مثلاً من فيرنس إلى بنزين، نغسل الفناطيس أو نُبخرها.

تم استخدام هذه المواعين في نقل خام البترول، ثم نقل الفيرنس من الأبيض إلى محطة بحري الحرارية، ومن بورتسودان إلى محطة بحري أيضاً.

كيف تقيّمون فائدة النقل بالقطارات؟

_النقل بالقطارات يتم بكميات كبيرة وبأمان، ونضمن عدم حدوث تسريب أو تهرب ضريبي. فكل المنقولات تُدفع عنها الرسوم والجمارك والضرائب قبل النقل. نحن نؤمّن حق الدولة بالكامل، ولا مجال لأي تجاوز أو تهرب عبر السكة الحديد.

هل تقومون بنقل مواد الإعمار والبناء والسلع أيضًا؟

نعم، ننقل كل أنواع البضائع. يكفينا فخراً أننا نقلنا معدات سد مروي، ولدينا المواعين القادرة على نقل كل أنواع البضائع، حتى التي ذات أطوال أو مقاسات غير قياسية، مثل أنابيب البترول ومعينات السدود.

نستطيع نقل الإسمنت والحديد والماكينات والآليات وغيرها.

وهذا ما يفعله النقل البري أيضاً!

_صحيح، لكن النقل البري ليس بنفس الكفاءة أو الكمية. مثلاً قطر واحد يمكن أن يحمل 25 عربة، أي ما يعادل 25 شاحنة. النقل البري يتفوق فقط في النقل من الباب إلى الباب، لكن لمسافات طويلة نحن الأفضل والأكثر أماناً، ونوفر الوقود والتكلفة. بقطار واحد يمكن نقل ألف طن، وهو ما يحتاج إلى 25 شاحنة تستهلك كميات ضخمة من الوقود والإطارات.

هل هناك مساعٍ لاحتكار نقل بعض المواد عبر السكة الحديد فقط كما في بعض الدول؟

نعم، هناك دول أصدرت قرارات سيادية بحصر نقل مواد معينة في السكة الحديد فقط، ونتمنى أن تُتخذ قرارات مماثلة هنا. ذلك سيحفزنا على تطوير خدماتنا وتحسين الجودة..الاحتكار الجزئي لبعض السلع، خاصة في الخطوط مثل بورتسودان – مدني، يمكن أن يساهم أيضًا في تثبيت أسعار السلع الأساسية في السوق.

هذا عن البضائع.. فماذا عن نقل الركاب؟

_لدينا قطار حديث لنقل الركاب، مكيف وسريع، يسير بسرعة تصل إلى 100 كيلومتر في الساعة، وتذكرة الركوب أقل من نصف قيمة تذكرة البص، وثابتة لا تتأثر بالمواسم أو الأعياد. النقل آمن وسريع ومريح.

ألا تتفق معي أن السكة الحديد (محلك سر) ولم يحدث فيها تطوير؟

_غير صحيح. التأهيل الذي تم للخط من بورتسودان حتى مدني بطول نحو ألف كيلومتر يُعد تقدماً كبيراً. قطارات الركاب الآن تسير بسرعة 100 كيلومتر في الساعة وتصل في زمن مماثل للبصات.

قطار النيل مثلًا أصبح عليه إقبال كبير لدرجة أننا نسير رحلتين يومياً، وهذه نقلة حقيقية. تم تحديث الخط واستجلاب قطارات ركاب جديدة. صحيح لسنا بمستوى الدول المتقدمة، لكننا قطعنا شوطاً جيداً منذ 2011.

(سكت قليلا)

طبعا التنمية مسؤولية الدولة، فالبنية التحتية يجب أن تكون ضمن أولوياتها.

وكأنك تريد أن تقول إن الدولة مقصّرة؟

_نحن لا نلوم الدولة ولا نتهمها بالتقصير، فقد تكون لها أولويات أخرى، لكننا نناشدها دعم الهيئة حتى نتمكن من تقديم خدمة تُسهم في تنمية الاقتصاد، وتخفيض تكلفة النقل، وتحقيق رضا المواطن، ونقل الصادرات والواردات بأمان وكفاءة.

كلما زاد دعم الدولة لنا، استطعنا تحسين الخدمة وتقليل الاعتماد عليها تدريجياً، حتى نصل إلى مرحلة ندعم فيها الدولة والخزينة العامة.

كم عدد القطارات العاملة الآن؟

_لدينا ما بين 15 إلى 20 قطاراً. الخطوط العاملة حاليًا عطبرة – بورتسودان، وعطبرة – الخرطوم الذي فُتح حديثاً، لذلك لا تُستغل كل الوابورات، بل تعمل بالتناوب.

الوابورات الجديدة التي وصلت مؤخراً حوالي 30 وابوراً: 7 للمناورة و23 للركاب. باستثناء المتضرر من الحرب، البقية تعمل بين عطبرة وبورتسودان والخرطوم.

وماذا عن خط الشمال؟

_نعم، نعمل في خط الشمال حتى بربر، والخط مفتوح حتى هناك. نسعى لنقل إسمنت بربر وإسمنت المصانع إلى الخرطوم.

سؤال اخير..كيف تنظر إلى مستقبل السكة الحديد في السودان؟

مستقبل السودان مرهون بتطوير السكة الحديد. نتمنى أن تنتهي الحرب ليتحرك القطار على طول الخطوط الممتدة من بورتسودان إلى نيالا، ومن عطبرة إلى وادي حلفا، وحينها سنكون دعماً حقيقياً لاقتصاد السودان، نعتمد على أنفسنا ونغذي خزينة الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى