
السفير.د.معاوية البخاري
تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وذلك على خلفية التصعيد المرتبط بإغلاق إيران لمضيق هرمز وما تبعه من تفاعلات سياسية وعسكرية واسعة. فقد تحولت الأزمة سريعاً من توتر محدود إلى قضية دولية كبرى، بعد صدور قرار أممي يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج بدعم واسع بلغ 135 دولة، في مقابل اعتراضات من قوى دولية رئيسية مثل الصين وروسيا على السردية التي بُني عليها القرار.
هذا التطور لا يعكس مجرد خلاف سياسي داخل أروقة مجلس الأمن، بل يشير إلى تحولات أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي، واحتمالات اتساعه ليشمل مسارح جديدة وقوى فاعلة أخرى، بما في ذلك الجماعات المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية، وعلى رأسها الحوثيون في اليمن.
أولاً: مضيق هرمز… عقدة الجغرافيا الاستراتيجية
يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز من دول الخليج نحو الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا المضيق يتجاوز حدود الأزمة الإقليمية ليصبح أزمة اقتصادية عالمية.
إغلاق المضيق – أو حتى التلويح بإغلاقه – يمثل أداة ضغط استراتيجية في يد طهران، إذ يمنحها قدرة وميزة تفضيلية في التأثير على أسواق الطاقة العالمية ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة. لكن في المقابل، فإن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة على إيران نفسها، لأنه يضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي ويُعد انتهاكاً واضحاً لقواعد الملاحة الدولية.
ومن هنا، فإن خطوة إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه تمثل انتقالاً من مرحلة الردع السياسي إلى مرحلة الضغط الاستراتيجي، وهو ما يفسر سرعة التحرك الدولي لإدانة هذه الخطوة.
ثانياً: القرار الأممي… بين الشرعية الدولية والانقسام الدولي
القرار الصادر عن مجلس الأمن – والمدعوم من 135 دولة – يعكس حالة قلق دولي متزايدة من احتمالات انهيار قواعد الأمن البحري في الخليج. فالقرار استند إلى مبدأ أساسي في القانون الدولي يتمثل في حماية حرية الملاحة ومنع الاعتداء على الدول ذات السيادة.
غير أن الاعتراضات التي قدمتها الصين وروسيا وبعض الدول الأخرى تكشف عن انقسام واضح في تفسير الأزمة. فقد اعتبرت هذه الدول أن السردية التي بُني عليها القرار لا تعكس الصورة الكاملة للتوترات الإقليمية، وأنها قد تُستخدم لتبرير مزيد من الضغوط السياسية والعسكرية على إيران، وتضرب عرى القانون الدولي في منع الاعتداء على الدول ذات السيادة دونما مشروعية .
هذا الانقسام يعكس أيضاً حالة التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى، حيث أصبحت ملفات الشرق الأوسط جزءاً من صراع النفوذ العالمي بين المعسكرات الدولية المختلفة.
ثالثاً: احتمالات دخول الحوثيين على خط المواجهة
من بين أكثر السيناريوهات التي تثير القلق في المرحلة المقبلة احتمال انخراط الحوثيين في اليمن في مسار التصعيد. فالحركة التي تسيطر على مساحات واسعة من شمال اليمن تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، وقد سبق أن استهدفت منشآت نفطية وسفن في البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي حال تصاعد التوتر بين إيران ودول الخليج، قد يتحول الحوثيون إلى أحد أدوات الضغط غير المباشر في الصراع، عبر استهداف الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب، وهو ممر بحري آخر لا يقل أهمية عن مضيق هرمز.
دخول الحوثيين على خط المواجهة سيؤدي عملياً إلى فتح جبهة بحرية ثانية، ما يعني أن الصراع لن يقتصر على الخليج بل سيمتد إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي، الأمر الذي يضاعف من تعقيدات المشهد الأمني الإقليمي.
كما أن هذا السيناريو سيضع دولاً أخرى – مثل مصر والسعودية والدول المطلة على البحر الأحمر – أمام تحديات أمنية جديدة تتعلق بحماية خطوط الملاحة الدولية.
رابعاً: معادلة الردع المتبادل في الخليج
رغم حدة الخطاب السياسي والتصعيد الإعلامي، فإن الأطراف المعنية تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة في الخليج قد يحمل كلفة هائلة للجميع. فدول الخليج تعتمد بشكل كبير على استقرار صادرات الطاقة، بينما تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية كبيرة تجعل من الصعب عليها تحمل حرب طويلة الأمد.
كما أن القوى الدولية الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية، تدرك أن أي حرب مفتوحة في الخليج قد تؤدي إلى اضطراب حاد في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل هشاشة أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا، فإن المشهد الحالي يقوم على توازن دقيق بين التصعيد والردع؛ حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز أوراق الضغط التي يملكها دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.
خامساً: مستقبل القرار الأممي وتأثيره على طهران
يبقى السؤال الأهم متعلقاً بمدى قدرة القرار الأممي على التأثير في السلوك الإيراني. فالتجارب السابقة تشير إلى أن فعالية القرارات الدولية تعتمد إلى حد كبير على مدى وحدة الموقف الدولي بشأنها، واتساقها مع القانون الدولي.
في ظل الانقسام بين القوى الكبرى، قد يواجه القرار تحديات في التنفيذ الفعلي، خاصة إذا لم يترافق مع آليات واضحة للضغط الاقتصادي أو العسكري. ومع ذلك، فإن الدعم الواسع الذي حظي به القرار يمنحه وزناً سياسياً ومعنوياً كبيراً، ويضع إيران تحت مجهر المجتمع الدولي.
كما أن القرار قد يمهد الطريق أمام إجراءات إضافية، مثل تشديد العقوبات أو تعزيز الوجود العسكري الدولي لحماية الملاحة في الخليج.
لكن في المقابل، قد تسعى طهران إلى استخدام هذا الضغط الدولي لتعزيز خطابها السياسي الداخلي، عبر تصوير الأزمة باعتبارها مواجهة مع “تحالف دولي معادٍ”، وهو خطاب استخدمته إيران في أزمات سابقة. وقد تتدخل احدى قوى الممانعة داخل مجلس الأمن لاتخاذ تدابير فجائية الي جانب طهران في سياق التنافس الدولي.
سادساً: إلى أين يتجه التصعيد الإقليمي؟
تشير المؤشرات الحالية إلى أن المنطقة تقف عند مفترق طرق بين مسارين محتملين. الأول يتمثل في احتواء التصعيد عبر قنوات دبلوماسية تقود إلى تخفيف التوتر وضمان أمن الملاحة الدولية. أما المسار الثاني فيتعلق بانزلاق تدريجي نحو صراع أوسع متعدد الجبهات، تشارك فيه أطراف إقليمية ووكلاء غير حكوميين.
وفي حال تحقق السيناريو الثاني، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث تتقاطع الأزمات البحرية مع الصراعات البرية، وتتداخل الحسابات الإقليمية مع التنافس الدولي بين القوى الكبرى.
خاتمة: الخليج بين اختبار الردع ومخاطر الانفجار
إن اتساع نطاق الصراع في الخليج لا يرتبط فقط بالتحركات العسكرية المباشرة، بل بطبيعة التحالفات والاصطفافات الدولية التي تتشكل حول الأزمة. فكلما تعمق الانقسام بين القوى الكبرى، تراجعت فرص الحلول الدبلوماسية وارتفعت احتمالات التصعيد.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة. فاستقرار الخليج لم يعد مسألة إقليمية فحسب، بل أصبح عنصراً أساسياً في معادلة الأمن الاقتصادي والسياسي العالمي.



