(إسلاميو السودان) والتطورات الراهنة .. أي سيناريو ينتظرهم وما هو مستقبلهم ؟

✍️ الهادي محمد الأمين
◾️بدت حالة الربكة والاضطراب والتخبط بل و (الإفلاس) واضحة لدي (إسلاميي السودان) بسبب التطورات المتسارعة التي حدثت خلال الفترة الماضية والمتمثلة في أمرين : (الإعتداءات الإيرانية علي بلدان الخليج العربي والأردن) و (القرار الأمريكي المتعلق بتصنيف الأخوان المسلمين في السودان كـ جماعة إرهابية) ، فالحرب التي شنتها إيران علي دول الخليج العربي إلي جانب القرار الأمريكي بتصنيف (أخوان السودان) ككيان إرهابي أخرجا الجيش من ورطة ومأزق وفي المقابل أدخلا جماعات (الإسلام السياسي) بتشكيلاتها وشبكاتها المختلفة في ورطة ومأزق جديدين يعملان علي تنفيس وضعية الإنتفاخ وتفريغ الخزنة من الذخيرة الحية وتحويلها لـ (فشنك) و (فالصو)
◾️ فالإعتداءات الإيرانية علي دول الخليج تسببت في فك أي إرتباط أو تواصل مباشر ما بين إيران والجيش السوداني الذي أعلن وفي وقت مبكر إنحيازه التام لدول الخليج العربي والوقوف معها في خندق واحد ضد الإعتداءات الإيرانية التي أدانها بشدة، وهذا يعني فتح الطريق لبداية قطع كل العلاقات التي تربط السودان بإيران في الوقت القريب والمستقبل في حال إستمرار الحرب وعدم توقفها وبالتالي يصبح أي حديث عن تعاون بين السودان وإيران في كل المجالات غير واقعي علي الأقل في ظل الظروف الراهنة وكذا الحال غير وارد أي إتجاه لتعاون أمني أو عسكري بين الجانبين بعد إنقطاع الحبال السرية ، وحتي إن وجد مستوى للتعاون العسكري والأمني فهو قابل للضبط ومن الممكن فرملته وإيقافة مما يعني أن موقف الجيش تجاه الإعتداءات الإيرانية علي دول الخليج العربي هو موقف موحد وصارم وغير قابل للتراجع خلافاً لموقف (الحركة الإسلامية السودانية)
◾️ فبالنسبة لـ (الحركة الإسلامية السودانية) والتي حددت موقفها من الإعتداءات الإيرانية علي دول الخليج العربي في بيان رسمي صادر من أمينها العام علي كرتي إلا أن الموقف العام لمنسوبيها وكوادرها وعناصرها بل وكثير من تشكيلاتها وواجهاتها السياسية والمدنية وشبه العسكرية علي خلاف الموقف الرسمي الذي عبّر عنه بيان الأمين العام للحركة علي كرتي وهو ما أشرت إليه في بداية المقال أن هناك حالة من الربكة والاضطراب والتخبط واضحة لدي (إسلاميي السودان) بسبب هذه التطورات وهذا إن دل علي شئ فيدل علي غياب العقل المفكر والتنظيم القوي والخطة الإستراتيجية ، كما أن (إسلاميي السودان) مرتبطين بإيران عبر ولاءات قديمة وتاريخية وعلاقة إستراتيجية راسخة وقوية فيها عدد من الجوانب من بينها (التشيع العقائدي) وهو أمر معروف وهذا يصعب التحكم فيه لدي (إسلاميي السودان) لأنه قائم أساساً علي بنية شكلت جزءاً من هوية وشعار وصبغة (الحركة الإسلامية) طيلة العقود الماضية متخذة صوراً مختلفة
◾️هذا إلي جانب (التشيع السياسي) وهو أمر مشاهد طيلة فترة حكم الإنقاذ وهو أمر مرتبط إرتباطاً وثيقاً بولاءات وتوجهات وحسابات (الحركة الإسلامية) ويمكن أن نطلق عليه (حالة التأرْيُنْ) نظراً لأن شكل العلاقة مع إيران هو شكل عضوي متماسك وراسخ وثابت ومتجذر وغير قابل للتغير تحت أي ظرف من الظروف – اللهم إلا مؤقتاً ولعوامل قاهرة – ، ويتشابه مع موقفها من (حركة حماس) و (حزب الله اللبناني) ، ورغم أن بيان (الحركة الإسلامية) الذي أصدره الأمين العام علي كرتي يمثل نقطة تحول جديدة وجوهرية في مسيرة (الحركة الإسلامية) وتوجهاً يتصادم ويتعارض مع ما كان سائداً في السابق، إلّا أن واقع الحال يشير إلي غير ذلك بالنظر إلي الموقف الجمعي لـ (إسلاميي السودان) بمختلف واجهاتهم ومنظوماتهم التي تنشط في المسرح والفضاء العام، وهذا مؤشر قد يؤسس لحالة فرز الكيمان وفك الإرتباط ومغادرة محطة خلط الأوراق وشك كروت اللعب التي تسيدت المشهد خلال الفترات الماضية خاصة مع وضوح موقف الجيش مقرونة بتصريحات متكررة لقائده العام عبد الفتاح البرهان
◾️ وهذا بالطبع يقودنا للمحور أو العامل والتطور الثاني الذي فرض نفسه في الواقع الراهن وهو القرار الأمريكي الذي صنف (الأخوان المسلمين) في السودان كجماعة إرهابية ودخل إلي حيز التنفيذ ورغم التعقيدات المصاحبة لهذا القرار إلا أنه قد يتسبب في فقدان (جماعات الإسلام السياسي) في السودان لزمام المبادرة ويفقدهم كل أوراق الضغط ويحرق كل الكروت التي كانوا ممسكين بها خلال المراحل السابقة إلي جانب وضعهم في مربع رد الفعل لا الفعل ونقلهم من خانة الهجوم إلي خنادق الدفاع ويعمل علي محاولة عزلهم ومحاصرتهم وضغطهم والتضييق عليهم بل إن القرار الأمريكي نسف كل المكاسب والمنجزات التي حاول (إسلاميو السودان) تحقيقها خلال فترة الحرب في سنواتها الثلاثة ومحاولتهم لإستثمار مناخ الحرب وتجييره لصالح أجنداتهم وتحقيق العديد من المكاسب والمصالح فشكلت الحرب فرصة لهم لاستجماع قوتهم من جديد، غير أن القرار الأمريكي الذي صنف (الأخوان المسلمين) في السودان كجماعة إرهابية حوّل كل هذه المكتسبات إلي رماد تذروه الرياح وجعلها هباءً منثوراً ، فالواقع الراهن يجعل وجودهم كرافعة أو مظلة سياسية أو كحاضنة أمراً مكلفاً وباهظ الثمن وفاتورته عالية مما يعني أن الخيار المتاح هو التخلص منهم وبداية لعملية إنزال الحمولة الآيدلوجية إن لم يكن بالقضاء عليها بالكلية فعلي الأقل إبعادها من مواقع التأثير والنفوذ والفاعلية أو العمل علي (ترويضهم) أو الرجوع للصفوف الخلفية بعد أن كانوا في الميمنة وحجزوا لأنفسهم مقاعد متقدمة، مع فتح المجال للمجموعات الموجودة علي كنبة الإحتياطي أو في حالة الإنتظار أو المرتبطة بقوي الثورة للتحرك ودفعها لبداية عمليات الإحماء والتسخين تمهيداً لمنحها بطاقة العضوية الذهبية ودخولها للميدان وحلبة الصراع ، فالقرار الأمريكي بتصنيف (أخوان السودان) كجماعة إرهابية يُعد (أداة من أدوات التسليك) في مقابل (حالة الإنسداد) حيث أعطي البرهان الضوء الأخضر للتحرك بحرية دون أي مؤثرات تعمل علي جره للوراء وتسليمه كاسحة ألغام تفتح له الطريق للتطهير والنظافة وإزالة أي معوقات تشكل عارضاً يتسبب في تعثر الخطوات أو تغيير الإيقاع ، كما أن القرار من جانب آخر يبعد شبح أي محاولة إنقلابية عليه من هذه الجهات التي تم تصنيفها كمجموعات إرهابية وتشجيعه للمضي قدماً في طريق التسويات والصفقات والمساومات وبالتالي فهو أمر يعمل علي تقييد حركة (إسلاميي السودان) وشل قدراتهم وإضعاف وتذويب كُتلهم الصلبة وتفتيت وتجفيف مصادر القوة نظراً لوجود (سيف الإرهاب المسلط علي رقابهم) ، وهو وضع تنعدم معه أي مساحة للمناورات أو فتح جبهات ضغط جديدة أو هامش حركة مضادة أو إرتدادات ذات مضاعفات أو ظلال سالبة، وفي ذات الوقت يجعل الجيش جالساً في مقاعد مريحة يستطيع من خلال الوضعية المريحة رسم خياراته وخططه وبدائله وتحديد أولوياته وبناء تحالفات وشراكات جديدة وفقاً لمطلوبات وتحديات المرحلة بعيداً عن أي ضغوط أو إبتزاز أو مؤثرات داخلية تؤثر علي صناعة وإتخاذ القرارات .


