
د. جمال الدين الطيب عبد الرحيم
وصلت قضية لائحة الخدمة والهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات السودانية إلى مرحلة الإضراب، بعد سنوات من العمل المشترك بين لجنة أساتذة الجامعات (لاجسو) واللجان التي كوّنها مجلس الوزراء بمشاركة لاجسو وقد تمت خلال هذه الفترة دراسة القوانين التي قضت بخروج أساتذة الجامعات من قانون الخدمة العامة، والقرارات التي أصدرها مجلس الوزراء، وكان آخرها تكوين لجنة فنية من الجهات الحكومية ذات الصلة، ضمّت وزارة التعليم العالي، والمالية، والعدل، والعمل، وديوان شؤون الخدمة، ومثّلت فيها لجنة أساتذة الجامعات (لاجسو).
وقد أقرت هذه اللجنة اللائحة والهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات، ثم خوطبت إدارات الجامعات برفع ميزانياتها وفقًا لمقترح الهيكل الراتبي الذي أقرته اللجنة الفنية الحكومية ، هذه المراحل من العمل الكبير والمجهود الضخم كانت نهايتها الحتمية، والنتيجة المتوقعة، إجازة لائحة شروط الخدمة والهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات.
إلا أن قرار وزارة المالية بزيادة الدعم الذي تقدمه لوزارة التعليم العالي، وموافقة الوزارة على ذلك، قضى عمليًا وضمنيًا على كل القوانين والقرارات التي صدرت، ونسف كل الجهود التي بُذلت، وكان ضياعًا لفرصة ثمينة كانت ستؤدي إلى رفع مظالم تاريخية، وتصحيح أوضاع مشوهة، ووضع قواعد لنمو وتطور قطاع التعليم العالي.
بل قاد هذا الفعل (إعادة العمل بالدعم من قبل وزارة المالية) إلى اضطرار لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) لاستخدام الحق القانوني بالإضراب عن العمل، وبالتالي إلى مواجهة مع صناع القرار، بعد سنوات من التعامل والتعاون المشترك لإنجاز أعمال قانونية وأهداف مشتركة تصب في مصلحة البلاد والتعليم العالي والأساتذة والطلاب.
إن وصول قضية أساتذة الجامعات إلى مستوى المواجهة يدل على فشل الحكومة في الوصول إلى مخرجات طبيعية للقوانين والدراسات وأعمال اللجان والجهات المختصة التي قضت بإجازة اللائحة والهيكل الراتبي، كما تشير هذه المواجهة إلى أن الحكومة، بدلًا من احتواء القضية وتبنيها والتفاوض مع لجنة أساتذة الجامعات التي دعتها للمشاركة في كل أعمال اللجان، استبعدتها في لحظة اتخاذ قرارها الأخير.
إنها بذلك خلقت أزمة في التعليم العالي، وصنعت واقعًا متصادمًا بين إدارات الجامعات والأساتذة، وهي مسؤولة عن أي تداعيات قد تحدث. أما التهديد والتخويف باتخاذ إجراءات إدارية ضد المضربين عن العمل، فلن يزيد القضية إلا تعقيدًا وسوءًا يُحسب على الدولة بكل مستوياتها.
مضاعفة المرتبات بلا هيكل: تأخير لا علاج للأزمة
بمجرد إعلان لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) عن إضرابها القانوني، سارعت وزارة التعليم العالي بعقد اجتماع مع مديري الجامعات، وأصدرت بيانًا أفادت فيه بأن المرتبات سوف تتضاعف بنسبة 100%، وأن المجلس القومي للتعليم العالي أجاز الهيكل الراتبي، وأن الوزارة ستتواصل مع الجهات المعنية لتطبيقه.
كل هذه التحركات في الزمن الضائع، لا يُقصد منها إلا تعطيل وإفشال الإضراب، وفي الوقت نفسه، تدل هذه الإجراءات على أن الدولة لا تستجيب إلا تحت ضغط الإضراب، وفي ذلك رسالة إيجابية لإضراب الأساتذة تقول : فليكن إضرابكم قويًا وشاملًا وطويلًا، فقد أثبتت المفاوضات مع الحكومة أن هذه هي اللغة الوحيدة التي تفهمها.
الفرصة الأخيرة لحل الأزمة
ما كان لهذه القضية أن تصل إلى مرحلة المواجهة لولا غياب الحكمة والرشد والتصرف السليم من جانب الدولة، ولو كانت النية لتطبيق القوانين وإعطاء الحقوق، فإن الحل يكمن في قرار من مجلس الوزراء بإجازة لائحة شروط الخدمة والهيكل الراتبي، واعتبار الزيادة التي قدمتها وزارة المالية جزءًا من تطبيق الهيكل، على أن تستمر المفاوضات داخل اللجنة الحكومية مع (لاجسو) لوضع الحلول العملية المقترحة للتطبيق المتدرج للهيكل الراتبي.
وبعد الجهود الكبيرة والمراحل الشاقة والسنوات الطويلة التي قضتها (لاجسو) من أجل تحقيق القانون والعدالة، ورفع الظلم، وتحقيق العيش الكريم للأستاذ الجامعي، فإنها لن تتراجع عن إجازة شروط الخدمة والهيكل الراتبي، ولن تقبل بديلاً عن الإجازة، أما تطبيق الهيكل فهو قابل للتفاوض، وقد أبدت موافقتها على ذلك.
رسالة إلى أساتذة الجامعات
قوتكم في وحدتكم، وحقوقكم في إضرابكم، ولن يضيع حق وراء مطالب، وما النصر إلا صبر ساعة؛ إما أن تكونوا أقوياء لتعيشوا بكرامة، وإما أن تتخاذلوا، فالفقر والمذلة معكم أبد الدهر.
* مدني نيـوز



