
الدكتور / عبد الصمد علي عبد الصمد
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، والحمد لله القائل (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام) ، والقائل (كل شئ هالك إلا وجهه) ، فالموت سنة كونية قدرية كما قال الشاعر : (كل بن أنثى وإن طالت ** سلامته يوم على الة حدباء محمول) .
افتقدت ولاية الجزيرة الشيخ الزاهد عميد خلاوي ود الفادني لتحفيظ القرآن الكريم الشيخ إبراهيم الخليفة، الذي فجعنا برحيله وأوجعنا خبر وفاته وتألمنا لمغادرته الفانية من غير أن يودعنا ، ونحن في أمس الحاجة إليه لكنها أحكام الله وقضائه وقدره فـ (كل نفس ذائقة الموت) ، عاش بين الناس بهدوء ورحل عن دنيانا بذات الهدوء، هذا الرجل الهميم الشيخ المجاهد المتواضع الذي يستمتع ويتلذذ بقضاء حوائج الناس والوقوف علي خدمتهم بكل تفانٍ وطيب خاطر ، فالله تعالي اختصه لهذه المهمة النبيلة وهي المشي في حاجة الناس دون منٍ أو أذي ومن غير تكلف، لِمَ لا وهو أهل للمهمة ، وهذا هو طبعه الذي نشأ وتربي عليه، فقد شرُف بها وفاز وربح البيع.
تعرفت علي الشيخ الراحل إبراهيم الخليفة في مطلع عقد التسعينات وكنا نذهب ونحن في المرحلة الوسطى في العطلات الي خلاوي ود الفادني فقد كانت ولا زالت مركزاً للإشعاع الديني والروحي ومكاناً لراحة النفس، كيف لا وهي شعلة متقدة لا تنطفئ لا نارها ولا نورها ودرجت العادة ان طلاب المدارس في الاجازة يجدون رعاية خاصة في خلاوي ومسجد ومسيد ود الفادني قلعة القرآن ونقطة التقابة واللوح والدواية والشرافة، كانت فلسفة وفقه الخليفة الريح عليه رحمة الله أن يوفر لهم كل وسائل وسبل الراحة حتى يتفرغوا للحفظ وكي يشجعهم للقدوم مرة أخرى وكان دائماً يوزعهم على دواوين إخوانه بالقرية، وكان الطلاب والشباب يفدون للخلوة ويتدفقون نحوها من كل فج عميق ويأتون إليها بشوق زرافات ووحدانا ، سبحان الله لم تنقطع صلتي بالشيخ ابراهيم الخليفة منذ ذلك العهد 1993م .
وفيما بعد عملنا سوياً في ساحات العمل فكان مسانداً لنا في قطاع الطلاب وهو منسق الدفاع الشعبي بمحلية الحصاحيصا فقد تجولنا في معيته لمعظم القرى والوحدات الإدارية متفقدين لأسر الشهداء ، وكذلك ترافقنا معه إلى رحلة الحج فكان نعم الرفيق خلال رحلاتنا من بلاد النيلين إلي بلاد الحرمين فكان يلزمنا بالذهاب عبر البحر حتى يخدم كل الحجاج ويطعمهم من يده ويشجعنا لبداية البرنامج الدعوى من الباخرة ابتداءً من سواكن ونحن متجهين صوب ميناء جدة وسبحان الله كان يحمل معه (الدخن وزيت السمسم والدكوة) وطيلة فترة موسم الحج في البقاع الطاهرة لا يرضى ان يشاركه أحد في إعداد الطعام وتقديم الوجبات إلا بعد معاناه شديدة نطلب منه أن يترك لنا فرصة لكي نشاركه في الخدمة ونتقاسم معه الفضل طلباً للمثوبة والأجر فكنا نغسل معه الأواني وتجهيز الشاي وتقديمه خدمةً لضيوف الرحمن فقد بذل نفسه وجهده ووقته لخدمة الحجاج والوقوف علي راحتهم.
وطيلة فترات مرافقتنا له في الحياة تعلمنا منه التواضع والتفاني في خدمة الناس وحب الخير وسعة الصدر وقوة الإحتمال فلقد وسع الناس بأخلاقه فكان مفتاحاً لأبواب الخير مغلاقاً للشر ، واليوم يغيب عنا وتنقص الأرض من أطرافها افتقدنا كتاباً مفتوحاً ونسخة نادرة مزيدة ومنقحة من جيل العمالقة، نسأل الله أن يتقبله القبول الحسن وان يحشره في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ، فاللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله يارب العالمين.


