
(3)
بقلم د. عبد المحمود أبو
“الخطاب الديني”
رأى الإمام الصادق المهدي؛ إن أزمة أمتنا تكمن في أسلوب الخطاب الذي تعرض به الإسلام؛ سواء خطابها الإرشادي داخل الملة، أو خطابها الدعوي خارج الملة. فبينما نجد أن الإسلام قد اهتم بأسلوب الخطاب اهتماماً كبيراً؛ إلا أن كثيرا من الدعاة أهملوا هذا الجانب فجاء خطابهم منفراً وطارداً. قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [سورة النحل:125]. وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ [سورة فصلت:33]. لقد رأى الإمام أن الخطاب الدعوي بقصوره دفع كثيراً من أبناء الإسلام دفعاً لإشباع حاجاتهم الضرورية عند الحضارة الغربية بشقيها، والخطاب المُنَفِّر خلق بيئة متشددة متشائمة في الساحة الإسلامية؛ فاجتهد الإمام لإيجاد خطاب جديد يجعل المسلم يعتز بدينه، ويشبع حاجاته الفطرية من داخل الإسلام؛ وفي نفس الوقت يعيش عصره مستفيدا مما حققته التجربة الإنسانية. وباستعراضنا لمنهج الإمام في الخطاب الديني نجده قد تميز بالآتي:
أولاً: الخطاب الشامل: يعتقد الإمام أنّ هنالك عشرة مطالب للإنسان تعتبر ضرورة فطرية؛ فإذا عجز الخطاب الديني عن تلبيتها؛ سيدفع الإنسان المعاصر إلى الابتعاد من الدين، وسيضطر لالتماس إشباع مطالبه الفطرية من مصادر أخرى؛ وتلك المطالب هي: روحية، ومادية، ومعرفية، واجتماعية، وخلقية، وعاطفية، وفنية، وعقلية، ورياضية، وبيئية. فالخطاب الديني الذي يخاطب هذه المطالب كلها سيجعل الإنسان متوازناً ومتماسكاً ومكتفياً بدينه؛ لأن كل ما يحتاج إليه قد استجاب له الدين. وهذا الخطاب استنبط من قول الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة الروم:30].
ثانياً: المقارنة: من أساليب القرآن الكريم أنه يقارن بين الحقائق التي يقدمها وبين ما يقدمه الآخر، ليعطي المستمع حق الاختيار بين البدائل، والتمييز بين الأطروحات قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة الزمر:29]. فالإمام الصادق اتبع نهج المقارنة في العقائد، وفي الأطروحات الفكرية، وفي المواقف؛ فعندما يقارن بين القرآن وبين الكتب المقدسة عند الملل الأخرى؛ يثبت تفوق القرآن لا ادعاءً جزافياً، وإنما باستنطاق الحقائق التي تتفق مع مقاصد خلافة الإنسان. وعندما يقارن بين تاريخ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وبين تاريخ الأنبياء الآخرين؛ يوضح اتفاق جميع المسلمين على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ ميلاده وحتى وفاته؛ بينما لم يتفق أتباع الرسل السابقين على سيرة أنبيائهم، وعندما يقارن بين الحقائق التي جاء بها الإسلام؛ يبين أن الحقائق العلمية المكتشفة لاحقا أثبتت صحتها؛ بينما الواقع كذب كثيراً من ادعاءات الآخرين، وهكذا. فإن أسلوب المقارنة من أفضل أساليب الخطاب الدعوي؛ لأنه يستنطق الحقائق.
ثالثاً: النقد الموضوعي: بعض الناس لا يعترفون للخصم بفضل أبداً؛ وهو أسلوب -مع أنه ظالم-فإنه في نفس الوقت يجعل صاحبه أضحوكة؛ لأنه يغالط الحقائق. والمدهش حقاً أن الإسلام دعا للاعتراف بالحق مهما كان الوعاء الذي خرج منه؛ لكن كثيراً من الدعاة خالفوا هذا التوجيه؛ فالمخالف في نظرهم لا يأتي بالخير أبداً! لقد اتبع الإمام الصادق أسلوباً موضوعيا يعترف للآخر بفضله عندما يحسن، وينتقده عندما يسيء. وإن خرجت منه كلمة حق يجب الترحيب بها قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [سورة المائدة:8].
رابعاً : التدرج والتيسير والمرونة : من خصائص الإسلام أنه دين الفطرة؛ بمعنى أن تعاليمه جاءت ملائمة للفطرة الإنسانية ، وقد تدرّج الإسلام في نشر تعاليمه وترسيخها، مراعياً عبئ التقاليد والعادات والبيئات، وقد حاول كثير من الدعاة حمل الناس على تطبيق تعاليم الإسلام جملة واحدة في وقت واحد؛ فشقوا على الناس ودفعوهم لمزيد من التجاوز ، لقد حرص الإمام أن يكون الخطاب الديني متدرجاً؛ يأخذ بالأولويات، ويقدم الكليات على الفرعيات، والضروريات على التحسينات والكماليات، والعام على الخاص، والأهم على المهم ، وأن تكون هنالك مرونة في الطرح ، وتيسيراً على الناس التزاماً بقوله تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ [سورة النحل:125].وتصديقا لقوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [سورة آل عمران:159].
“الآليات”
إن الأفكار النيّرة تحتاج إلى وسائل ملائمة تساعد في نشرها وترسيخها، وإلا ستظل تسبح في فضاء لا ساحل له، وتندثر مع مرور الزمن، لقد استعرضنا في المحورين السابقين مساهمات الإمام الصادق المهدي في مجال التجديد الديني؛ فكرا وخطابا. ونأتي إلى المحور الأخير وهو محور الآليات أو الوسائل التي عن طريقها ستجد مدرسة التجديد طريقها للتنفيذ وتلك الأدوات هي:
أولاً: تحويل الكيان التقليدي إلى مؤسسة حديثة
لقد أدرك الإمام أن العصر الذي نعيش فيه عصر مختلف عما سبقه من عصور؛ فالمواصلات قربت من أجزائه، ووسائل الاتصالات كمشت الزمان فيه، والأطروحات لحل مشاكله لا حدود لها، وعلاقاته الإنسانية والدينية والثقافية متداخلة. فلا بد من تجاوز الأسلوب التقليدي للدعوة وإيجاد أسلوب يلائم العصر، ولذلك عندما جاءت قيادة الأنصار للإمام الصادق؛ عمل على إنشاء مؤسسة دينية للأنصار؛ تتولى الأنشطة الدينية بصورة منهجية ومدروسة ومخططة. فتم تكوين هيئة شؤون الأنصار التي صارت مؤسسة ينضوي تحتها كل الأنصار باختلاف مكوناتهم الاجتماعية وشرائحهم. وتتكون هيئة شؤون الأنصار من أربعة أجهزة قيادية هي: المؤتمر لعام وعضويته أربعة آلاف. ومجلس الشورى من خمسمائة عضوا. ومجلس الحل والعقد من خمسين عضوا. والمكتب التنفيذي الذي يضم عشر أمانات متخصصة في كل شئون الحياة؛ والإمام جاء منتخباً من المؤتمر العام وليس معيناً ولا وارثاً، فإمامته إمامة مؤسسية، والهيئة يحكمها نظام أساسي حدد أهدافها ونظم العلاقات بين أجهزتها، وإدارة الأجهزة تضبطها لوائح ونظم، وأنشطتها تنفذ عبر برامج مجازة من الجهاز التشريعي. هذا الانتقال من الكيان التقليدي إلى العمل المؤسسي؛ يعتبر من أهم إنجازات الإمام في هذا المجال؛ وهو تحويل الكيان التقليدي لمؤسسة حديثة؛ تحكمها نظم ولوائح، وتنفذ برامجها على أساس التخطيط والدراسة والمنهجية.
ثانياً: الالتزام بالحوار لحسم القضايا الخلافية فين الوطن وبين الجماعات الدينية والسياسية:
هنالك ضرورة للحوار بين ثلاث مجموعات: حوار داخل ملة الإسلام _ وحوار مع الأديان _ وحوار بين الحضارات. وبناء على ذلك أصدر الإمام ثلاثة نداءات سأتناولها في المقال القادم إن شاء الله.


