
(4)
بقلم د. عبد المحمود أبو
“نداء المهتدين للحوار الإسلامي الإسلامي”
مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة؛ أصدر الإمام الصادق أطروحة (نداء المهتدين) كأساس للحوار داخل ملة الإسلام؛ شخصت الأطروحة الموقف الإسلامي عموماً ودعت أهل القبلة أن تعالوا إلى كلمة سواء بيننا للاتفاق على النقاط السبعة الآتية:
(أ) أن كتابنا واحد معلوم ومحفوظ النص، ورسولنا واحد معلوم السيرة والهوية. هذه من نعم الله علينا. كتاب الله وسنة رسول الله بين أيدينا. علينا أن نؤمن تماماً بأن ما نلتزم به هو القطعي وروداً والقطعي دلالة من الكتاب والسنة. أما الظني وروداً والظني دلالة وما ليس فيه نص أصلاً فأمور اجتهادية غير ملزمة لنا.
(ب) التعامل مع الآخر المذهبي الإسلامي يجب أن يقوم على الإيمان المشترك بالقطعيات، والاعتراف المتبادل بالاجتهادات على أساس أن التقليد في الاجتهاد غير ملزم، وأن القاعدة السنية من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.
(ت) هنالك عوامل مستجدة اختلف المسلمون حول كيفية التعامل معها: (أهل السنة قالوا بالتعامل مع المستجدات على أساس القياس والإجماع؛ الشيعة قالوا بمعرفة خاصة للأئمة ولمراجع التقليد في غيابهم؛ هؤلاء يفتون في أمر المستجدات؛ الصوفية قالوا بأن الصالحين ملهمون مكشوف لهم الحجاب؛ مما يتيح لهم معرفة خاصة للتعامل مع كل الأمور وعلى الآخرين اتباعهم) ، فعصرنا الحالي يمتاز بإلغاء المكان عن طريق المواصلات، وإلغاء الزمان عن طرق الاتصالات؛ مما يتيح لنا وسائل أفضل في التعامل مع هذه القضايا. الأسلوب الأمثل هو تحديد هيئة أو هيئات فنية ذات معرفة وتخصص في كل المجالات ذات دور استشاري. واتخاذ هيئة أو هيئات تشريعية ذات تفويض شعبي للتداول بشأن المستجدات واتخاذ قرار بشأنها.
(ث) ينبغي أن نحدد أساساً واضحاً للتعامل مع الآخر الملي في أوطاننا: علينا أن نقر عهد المواطنة وحق المواطنة كأساس للكيان الوطني، فالوطن لكل سكانه بموجب عهد المواطنة، وهذا لا يتعارض مع الحقوق الدينية والثقافية للمجموعات الوطنية المختلفة ما دامت لا تطالب بوضع ينتقص من حقوق المجموعات الأخرى.
(ج) النظام الدولي الحالي يقوم على أساس العهد الذي يقوم عليه نظام الأمم المتحدة ، إنه نظام بالنسبة للمسلمين يعتمد على مرجعية إسلامية أساسية هي: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً [سورة الإسراء:34]. و لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ [سورة الممتحنة:34]
(ح) هنالك منجزات حققها الغرب لا تتعارض مع أصول مبادئنا الإسلامية، ولكن الفضل في تحقيقها وتكوين مؤسسات لاستدامتها يرجع للحضارة الغربية في المقام الأول؛ تلك المنجزات ينبغي أن نستصحبها دون أدنى حرج ، وأن نحدد مرابطها في مقاصد الشريعة الإسلامية : ( الحرية الفكرية، وحرية البحث العلمي، النظام السياسي الذي يقوم على رضا المحكومين ومساءلة الحكام، ويحقق التداول السلمي للسلطة، والخضوع العسكري للشرعية الدستورية ، النظام الاقتصادي الذي يقوم على آلية السوق الحر، لا سيما في مجال الاستثمار والإنتاج والتبادل التجاري، الالتزام بحقوق الإنسان على أساس أن الله كرّمه وأوجب له حقوقاً مقدسة ) .
(خ) لقد دار في مسألة المرأة جدل كبير فالمرأة هي الوالدة والزوجة والأخت والبنت للرجل. والنساء في مفهوم الإسلام شقائق الرجال. والنصوص الإسلامية واضحة في مساواتها إنسانياً وإيمانياً. إن حقوق المرأة في الإسلام كانت طفرة تحريرية في ظروفها. أما الآن فإن حقوق المرأة العالمية قد بلغت مرحلة متطورة. التحدي الذي يواجهنا هو هل تستطيع المرأة أن تكون مسلمة وحديثة في آن؟ الجواب نعم.
(د) الجهاد هو ذروة سنام الإسلام والجهاد هو رهبانية أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ والجهاد ماض إلى قيام الساعة. إنّ مادة جهد هي أساس الصلاح والفلاح والنجاح في كل مجالات الحياة؛ ولا يفلح الإنسان في أية حال إذا لم يبذل الجهد: لا بد لنيل الشهد من إبر النحل. الجهاد في هدي الإسلام هو بذل الجهد كله للالتزام بأمر الله. إنه يبدأ دائماً بإلزام النفس على الفضيلة، وهذا هو الجهاد الأكبر؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. ثم يتجاوز الإنسان نفسه إلى أسرته وإلى مجتمعه، وعليه بذل الجهد كله وبكل الوسائل للالتزام بهدي الله. هذا الالتزام يصير التزاماً قتالياًً في حالة فتنة الناس عن دينهم أي إكراههم على الخروج من دينهم. وفي حالة الدفاع عن النفس. أي دفاعاً عن العقيدة ودفاعاً عن الحياة أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [سورة الحج:39]. إن اتحاد الفهم بين كافة أهل القبلة حول هذه النقاط السبع واجب اسلامي.
وهكذا نجده قد استشرف المستقبل ودعا للاستعداد لمواجهة التحديات برؤية تأصيلية تحصن مجتمعاتنا من الانكفاء ومن الاستلاب.


