مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإمام الصادق المهدي وإسهاماته في تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الدعوي (5)

 

د. عبد المحمود أبو

في عام 1976م انعقد مؤتمر كل الأديان في مدينة كانتربيري وكان الإمام الصادق مشاركا في ذلك المؤتمر وقدم أطروحة مغايرة للأطروحات التقليدية الخاصة بالحوار بين الأديان؛ وكانت أطروحته تتعلق بمشاكل الأنسان حيثما وجد ودور الأديان في علاج تلك المشاكل، وقدم تلخيصا للمشاكل الإنسانية في عشر نقاط، وبين علاج تلك المشاكل في الإسلام مدعما حجته بأدلة من الكتاب والسنة، مما جعل إدارة المؤتمر تشيد بأطروحة المسلمين لموضوعيتها ونجاعة علاجها؛ وكان رئيس المؤتمر من المسيحيين البروتستانت.

وظل الإمام مشغولا بموضوع الحوار بين الأديان تناوله في كثير من المؤتمرات والمنتديات إلى أن بلوره في وقت لاحق في نداء الإيمانيين الذي لخصه في الآتي:

إن ضمير الإنسان الحالي كونته العقائد الدينية. والعقائد الدينية تفاعلت مع العطاء الإنساني لتتحف الإنسانية بعشرين حضارة وبعشرة ألف ثقافة إنسانية.

إن العقائد الدينية قد أعطت الإنسانية الطمأنينة النفسية، والرقابة الذاتية، والتحصين الأخلاقي، والهوية الجماعية.

إن قيمة الاعتقاد الديني والانتماء الثقافي للإنسانية، ينبغي ألا تغفلنا عن الأضرار التي لحقت بالإنسانية نتيجة للتعصب الديني والانكفاء الثقافي. هذان العاملان: التعصب والانكفاء، أوقعا أصحابهم في ثلاثة أخطاء فادحة:

الخطأ الأول: اعتبارهم أن المعرفة كل المعرفة الإنسانية غيبية نقلية، ورفضهم المعارف العقلية والتجريبية. هذا الخطأ جعلهم أعداء لتطور العلوم واكتشافاتها والأبحاث العلمية واستنتاجاتها.

الخطأ الثاني: قاسوا ضرورة الالتزام الديني بالقيم الروحية والخلقية، بالتزام مماثل أوجبوه في المعاملات الاجتماعية والسياسية.

الخطأ الثالث: اعتبروا أن الإخلاص لعقيدتهم يوجب نفي العقائد الأخرى ومواجهتها مواجهة دائمة.

وبعد استعراض لتاريخ الأديان وعلاقاتها التي اتسمت بالهدوء حيناً وبالحروب أحياناً، والتحدي الكبير الذي يواجه الأديان في الألفية الثالثة فإن الإمام الصادق دعا إلى الآتي:

إننا في هذا المنحنى التاريخي من تطور الإنسانية، جدير بنا أن نؤكد مرة أخرى أن الدين هام للحياة البشرية، وأن الهوية الثقافية جزء من تركيب المجتمعات الإنسانية. كذلك جدير بنا أن ندرك أن الإنسانية تخطت مرحلة الحداثة في حركة تطور لا رجعة منها إلى الوراء؛ بل تقفز عبر العولمة إلى عالم جديد لا يسعد إنسانه ولا يستقر حاله إذا لم يوازن بين مطالب الأصل ومطالب العصر.

إن التمسك بالتأصيل وحده معناه التمسك بوفاء لا مستقبل له، كما أن التطلع للحداثة والعولمة وحدهما معناه التطلع لمستقبل لا وفاء له.

إننا من منطلق الحرص على وفاء له مستقبل، ومستقبل له وفاء، نؤكد تمسكنا بالميثاق الآتي: نداءً إنسانياً، وإقليمياً، ووطنياً يهدي الإنسانية ويجنبها التدين المتعصب والانتماء الثقافي المنكفئ، والاندفاع في حداثة مستلبة وعولمة عمياء.

نداء الإيمانيين

أولاً: الاعتقاد الديني ضرورة للإنسان: ضرورة للطمأنينة النفسية، وللرقابة الذاتية، ولتحصين الأخلاق، وللتماسك الاجتماعي، وللهوية الجماعية. الإيمان حق إنساني اختياري لا يجوز إكراه الإنسان عليه ولا حرمانه منه. إن للحياة معنى روحي، وكذلك لها معنى خلقي، وهي معان نزلت بها رسالات الوحي، أو تفتقت عنها الفطرة الإنسانية المتطلعة دائماً لاكتشاف معاني الحياة الروحية والخلقية ، فإن الأديان هي المسئولة عن تعريف عقائدها. والمتطلعة دائماً لاكتشاف معاني الحياة الروحية والخلقية.

إن الأديان هي المسئولة عن تعريف عقائدها. وإن عقائدها كما تعرفها ينبغي أن تجد الاعتراف والاحترام. إن على المجتمع كفالة حرية العقيدة لأصحابها على أن يلتزموا بالامتناع عن فرضها بالإكراه أو نشرها بالقوة؛ بل يلتزموا بالتعايش مع العقائد الأخرى ونشر العقيدة بالتي هي أحسن.

ثانياً: إن الهوية الحضارية والثقافية حق للإنسانية يجب احترامه وكفالته على أن تعترف الحضارات والثقافات ببعضها بعضاً، وتسعى للقاح اختياري للإثراء المتبادل، والتواصل النافع لأطرافه.

ثالثاً: حرية الفكر والبحث العلمي أساس لتقدّم الإنسانية. إن على الإيمانيين احترام العقل الإنساني والحقائق التجريبية.

رابعاً: إن للإنسان ضرورات ينبغي إشباعها بمعادلة متوازنة وإلا اختل مزاج الإنسان وقلّ عطاؤه. إن الالتزام الديني السوي يتخذ موقفاً محيطاً مدركاً أن هذه الضرورات مرتبطة بفطرة الإنسان وينبغي توافرها في تربية الإنسان وفي حياته.

خامساً: إن النظام السياسي الذي يليق بكرامة الإنسان هو النظام الذي يكفل حقوق الإنسان كما نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد أن تتم تكملته بإضافة الحقوق الدينية والثقافية، ويكفل حريات الإنسان الأساسية. ويقيم السلطة السياسية على أساس انتخابي حر ومساءلة الحكام بواسطة المواطنين.

سادساً: إن اقتصاد السوق الحر هو الذي يحقق أعلى درجات التنمية الاقتصادية. على أن يراعى اقتصاد السوق الحر الرعاية الاجتماعية المطلوبة للسلام الاجتماعي والرعاية البيئوية المطلوبة للأيكولوجية المستدامة.

سابعاً: لقد صيغت وثائق حقوق الإنسان العالمية في وقت لم تبرز فيه أهمية حقوقه الروحية والخلقية والثقافية مما يوجب أن تراجع لتكملة النقص.

ثامناً: مسيرة الإنسانية أوقعت ظلماً على بعض الشرائح الإنسانية: اضطهادا لونياً ونوعياً. وشرائح إنسانية مستضعفة لصغر سنها، أو لكبر سنها، أو لأنها معاقة إن الضمير الديني والخلقي يتبنى إنصاف هذه الشرائح الإنسانية دعماً للإخاء الإنساني. كذلك يتعرض العالم لكوارث طبيعية أو من صنع الإنسان. إن على المنظمات الدينية أن تستعد دائماً لاحتواء الكوارث والنكبات.

تاسعاً: الأديان العالمية تدرك أهمية البيئة الطبيعية وضرورة رعايتها. والأديان الأفريقية تركز على التواصل بين أجيال الإنسان حاضرها وماضيها ومستقبلها، كما تركز على التواصل الوثيق بين الإنسان والبيئة الطبيعية. ينبغي إعطاء اهتمام بالبيئة الطبيعية بعداً روحياً وخلقياً لتقديس المحافظة على كوكب الأرض وإعطاء البيئة الطبيعية عافية مستدامة.

عاشراً: لقد تعولمت أنشطة الإنسان المختلفة مواكبة لمقتضيات العولمة الحميدة. إن الحاجة ملحة لمؤسسة عالمية تكون منبراً للدراسات المشتركة والأبحاث في الأديان المقارنة والإحصاء والتوثيق، مما يثرى أدب الأديان المقارنة، لا من زاوية أكاديمية ولكن من زاوية إيمانية مشغولة ببناء البعد الروحي والخلقي للعولمة وساعية لعمارة الكون بصورة موزونة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى