
د. عبد المحمود أبو
حوار الحضارات
مع بروز ظاهرة العولمة خرجت أصوات تتنبأ بصدام الحضارات مقروءة مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من أحداث أدت إلى منطق جديد في العلاقات الدولية، أدلى الإمام الصادق بدلوه وقدم أطروحة بديلة لصدام الحضارات تتمثل في حوار الحضارات نقتبس منها الآتي:
لقد كانت العلاقات بين الحضارات عبر التاريخ غالباً تنافسية وأحياناً كثيرة عدائية ، لكننا اليوم على مشارف القرن الحادي والعشرين ينبغي أن نتناول بحث العلاقات بين الحضارات على ضوء حقيقتين جديدتين هما:
الحقيقة الأولى: وجود عوامل كثيرة توجب الوفاق العالمي. هي: تكنلوجيا الاتصالات والمواصلات كفكفت أطراف العالم وجعلته متداخلاً ، المصلحة الأيكولوجية لكوكب الأرض توجب إيجاد خطة مشتركة لبيئة صالحة، تقريب وجهات النظر عالمياً وإصدار مواثيق عالمية حول القضايا البيئية _ النسوية _ السكانية _ والاجتماعية، علاوة على إجراء حوارات كثيرة ثنائية وجماعية عبر مؤتمر جميع الأديان وهي كلها تدعو للتسامح والتعايش.
إن في الإسلام ولدى كثير من المسلمين؛ بل غالبية المسلمين توجهاً تسامحياً يحترم كرامة وحقوق الإنسان، ويسعى للتعامل مع الآخر الملي والدولي بالحسنى، كما أن في الحضارة الغربية كثيرون يدركون مخاطر الهيمنة ويدركون أن مصلحتهم ومصلحة الإنسانية توجب التعايش من أجل مصير إنساني مشترك.
الحقيقة الثانية: لأول مرة في التاريخ صار الإنسان يمتلك أسلحة دمار شامل، قادر على تحطيم العالم بحيث لن يكون في نهاية النزاع غالب ومغلوب كالمعهود في الحروب الماضية. لذلك صار التعايش والتوافق والحوار بين الحضارات اليوم واجباً حياتياً.
إن علاقة الحضارة الغربية بالحضارة الإسلامية معقدة لأسباب أهمها:
1ـ الحضارة الإسلامية تكمن فيها تيارات مشدودة إلى نجاحها القديم لدرجة تجعلها تظن أن استنساخ ما حدث تاريخياً ممكن، هؤلاء يسقطون نجاح الماضي على الحاضر فيشلون حركته.
2ـ الحضارة الغربية الحديثة تعاملت مع الحضارة الإسلامية بدرجة عالية من الذُّعر؛ لأنها الحضارة الوحيدة التي كادت أن تمتصها بسبب تفوقها الفكري والتكنولوجي والثقافي عليها في الماضي. كما كانت الحضارة الوحيدة التي هدّدت الحضارة الغربية في وجودها أكثر من مرة، لذلك صار التخوف من الإسلام والمسلمين شيئاً عادياً في النفوس الغربية.
3ـ الحضارة الغربية الحديثة تعاملت مع الحضارات الأخرى بدرجة كبيرة من التعالي وافتراض الدونية. وكان تعاملها مع المسلمين ظالماً مهيناً غداراً! لم تراعي فيهم إلاً ولا ذمة، لذلك صار بُغْضُ الغرب وأهله في نفوس كثير من المسلمين.
وأخيراً بعد استعراض الموقف فإن الإمام حدد شروطاً للتواصل الحضاري قائلاً: إن (ظاهرة التشدد الإسلامي في مجتمعاتنا، والتشدد الأصولي في غيرها من المجتمعات، وظاهرة الهيمنة الحضارية في الغرب؛ تياران يبرران ويغذيان بعضهما بعضاً، ويدفعان بالإنسانية نحو الخصام والصدام. وظاهرة الاستنارة الإسلامية _ والاستنارة عند أهل الحضارات المختلفة _ وظاهرة الاعتدال الغربي تشكلان تياران يغذيان بعضهما بعضاً ويبرران بعضهما بعضاً. فإن تغلَّبا فإنهما يفتحان أبواب التواصل والحوار البناء ويمهدان لتنوير عالمي يبشر بمستقبل إنساني أفضل شروط ذلك التواصل هي:
أولاً: أن يدرك الغرب ويعترف بأن الحضارة الغربية الحديثة حضارة مركبة ساهمت كل حضارات الإنسان السابقة لا سيما الحضارة الإسلامية في تكوينها.
ثانياً: الاعتراف بأن الحضارات الإنسانية والثقافات الأخرى لها دورها في بناء حاضر ومستقبل الإنسانية، ولا يجوز التعامل معها ككيانات منقرضة أو في طريقها للانقراض الوشيك.
ثالثاً: التسليم بأن منجزات الحضارة الغربية الحديثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية التي نضج عودها في الغرب والصالحة لاستصحاب البشر لها في كافة البلدان؛ سيتم استصحابها برؤية ذاتية لا بالإكراه، والرؤية الذاتية هذه تشتمل على أقلمة ثقافية واجتماعية تحددها الشعوب المعنية باختيارها.
رابعاً: إدراك أن الظلم الاجتماعي على صعيد الدولة الواحدة، مثل الظلم الاجتماعي على الصعيد العالمي. كلاهما يقوض الاستقرار والسلام، إن إزالة الغبن التنموي عن عالم الجنوب والسعي الحثيث لدعم التنمية في عالم الجنوب المتخلف ضرورات لحفظ السلام العالمي.
خامساً: إقامة علاقات حوار إيجابية بالحضارات الأخرى على أساس التعلم المتبادل.
سادساً: التوصل عن طريق حوار متكافئ قدر المستطاع للاتفاق على غايات إنسانية وأيكولوجية مشتركة.
سابعاً: إدراك أن الغرب قد كان سبباً أساسياً في تكوين عدد من بؤر النزاع الساخنة، ومهما كانت مسئولية الأطراف المحلية عن استمرار تلك البؤر الملتهبة؛ فإن اعتراف الغرب بدوره في تكوينها واستعداده للقيام بدور تكفيري في علاجها؛ أمر هام وعتبة نحو علاقات دولية سلمية وسوية.
ختاماً
إن معالم التجديد الديني في مسيرة الإمام لم تأت نتيجة ظروف عابرة؛ بل تشكل جزءاً أساسياً في حياته، وهما ظل يلازمه منذ شبابه الباكر حتى تبلورت في مدرسة إحيائية تجديدية وسطية واضحة المعالم؛ وقد استطاعت هذه المدرسة عبر الجهاد والاجتهاد والمثابرة أن تنضج وتثمر ، وأصبحت الأفكار التي كانت غريبة كغربة المسيح بين اليهود؛ تجد طريقها للاهتمام في العالم الإسلامي، وباستعراض أفكار الرجل نجد أنه كان مفكرا عميق التفكير، ومجددا من الطراز الأول؛ فلا تجد في كتاباته حشو الألفاظ، ولا في مواقفه تناقضاً بين القول والفعل، ولا في أفكاره تقليداً جامدا أو استلابا منهزما، وأنا شخصياً بالرغم من أنني درست في مؤسسات تعليم ديني من الخلوة وحتى الجامعة وما بعدها؛ إلا أنني لم أجد في مؤسسات التعليم التقليدية ما وجدته عند الرجل من فهم واع للإسلام وتعاليمه ومبادئه وأفكاره؛ فهما يجعل المسلم يعيش حياته الدينية الملتزمة بأحكام الإسلام وقيمه، وحياته الإنسانية بإشباع مطالبه الفطرية بتوازن، ويتجاوب مع عصره دون حرج أو تناقض، وأخلص إلى القول: بأن الإمام الصادق المهدي صاحب مدرسة في التجديد الديني معتدلة؛ توفق بين الأصل والعصر، وتؤسس لوفاء له مستقبل ولمستقبل له وفاء ، وقد دعاء العلماء والمفكرين من كل المدارس والمذاهب الإسلامية للاتفاق على مرجعية متجددة متحررة من الانكفاء والتبعية؛ لكتابة عمر جديد لأمة الإسلام تحجز مكانها بين الأمم وتحقق شروط ومقومات أمة الشهود.


