مقالات الرأي
أخر الأخبار

الحركة الإسلامية .. أرادوا بها كيداً فجلعناهم الأخسرين

الدكتور عبد الصمد علي عبد الصمد 

أريد من خلال هذه الزاوية أن اسلط الضوء علي تجربتي الشخصية في الحركة الإسلامية كرؤية ذاتية عبر نقاط سريعة تتعلق بالتحديات التي تعرضت لها الحركة أثناء وبعد سقوط الإنقاذ التي حكمت ثلاثين عاماً حسوماً ، منذ إندلاعها في العام 1989 م وحتي لحظة الثورة عليها في العام 2019م وكذلك من خلال مرور سريع للظرف الراهن الذي بدأ منذ قيام الحرب في العام 2023م

خفافاً وثقالا

فأقول تعليقاً علي ذلك أن الحركة الإسلامية إلي جانب أنها تنظيم مرن يتمتع بالحيوية فهي كذلك حركة ولود لا ترتبط بالأشخاص ولا القيادات هذا إلي جانب أن المنتسبين إليها وبحكم التنشئة التي تربوا عليها داخل المنظومة يستطيع أي كادر منها تفعيل نفسه ذاتياً والعمل في المحيط الذي يناسبه ويجد فيه نفسه ربما من غير تكليف أو توجيه فهو أمر تلقائي يجعل من تنتمي للحركة أن يبادر للأعمال الإيجابية ويتحرك في نطاقها بصورة تتناسب مع قدراته وإمكانياته وهذه سمة أو ميزة لمن ينتسبون لهذه الحركة المباركة فالكل يعمل لوجه الله ومن أجل الدين والوطن وهذا شعارها هي لله لا للسلطة ولا للجاه.

جذوة متقدة

فمع قيام الثورة في العام 2019م ظن أصحاب الظنون بل كان هذا هو الإنطباع السائد لدي كثير أن الحركة قد انتهي عمرها الإفتراضي وسينتهي أمرها بعد أن كادوا لها كيداً كبيراً علي المستوي الداخلي والخارجي وأرادوا وأدها لكن كتب الله لها الحياة من جديد ومنحها عمراً إضافياً فهي تتجدد وتتمدد فمن توهموا تلاشيها للأبد وإنتهاء أمرها تفاجأوا بأن جذوتها لا زالت متقدة فلم تشيخ أو تموت فكأن الله كتب لها الخلود مدي الأزمان لم لا وهي دعوة قدسية، فكان الظن أن تذوب الحركة ذوبان الملح في الماء كما يقول أهلنا في شمال الوادي (فص ملح وداب) لكنها لم تكن ملحاً يذوب بل عذب فرات سائغ شرابها لذة للشاربين ، فما غابت وقت الحضور ولم تنعدم وتدخل في عالم العدم وسردابه ليفتقدها من يفتقدها ولم تصبح نسياً منسياً أو ظاهرة تاريخية ماضوية عفا عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب لتتحول إلي ذكريات من الماضي – أو حتي إن وجدت تكون عبارة عن صورة ووجودها يكون شكلياً بلا لون ولا طعم ولا رائحة .

بقاء الفكرة 

لكن خاب فألهم فرائحتها لا زالت طيبة زكية كالمسك ولونها فاقع يسر الناظرين وطعمها لا ينكره إلا من بفمه سقم و (قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم) ، لكن مما هو مفهوم و متعارف عليه ومشاهد مشاهدةً مرئية في واقعنا أن البعض قياساً علي تجارب أخري حاول أن يسقط ذلك علي الحركة الإسلامية مثلما هو واقع وحدث من خلال تجارب من حولنا والأمثلة كثيرة حيث انتهت تنظيمات كانت ملء السمع والبصر وأزيلت أو زالت مع زوال نظام حكمها من غير أن تبقي الفكرة غير أن الأمر هنا في السودان غير.

صمود 

صمدت الحركة الإسلامية وهي تواجه تحدي البقاء والوجود ولأنها حركة مرنة وعند قيادتها رشد ووعي ونضج وكذلك حكمة صمتت حيناً من الدهر وكان في الصمت خير كثيراً فلقد كان أمرها بالمعروف معروفاً ونهيها عن المنكر غير منكر فوفقها الله وأعطي البصيرة لشيوخها وشبابها حينما ربط الله علي قلوبهم وانحنوا للعواصف الأعنف ريثما تمر رغم كبر المخطط وهول المصاب وتلاقي الأيدي الآثمة بالداخل والخارج لتشييع الحركة إلي مثواها بهدف قبرها ودفنها لتكملة حلقات الربيع العربي والتخلص من الحركة والقضاء عليها بالكلية وأرادوا أن تُحرق شرارة الربيع العربي الحركة وتحيلها إلي رماد تذروه الرياح ، لكن الله كتب لها عمراً جديداً لتبقي وهذا من حكمته فحينما احتاج لها الشعب وجدها في الميدان

تحديات

وهذه نقطة تنقلنا من تحدي وإبتلاء سقوط الإنقاذ إلي تحدي وإبتلاء هذه الحرب فتجاوزت الحركة تحدي سقوط الإنقاذ لتدخل مباشرة في تحدي مواجهة أكبر إبتلاء تشهده البلاد فأرادوا كيدها لكن النتيجة أن جعلهم الله الأخسرين فنهضت الحركة من جديد وتجاوزت التحديات التي قصمت ظهر آخرين حيث صمدت الحركة خلال الفترة التي تلت الثورة وسقوط الإنقاذ في 2019م وما صحب وتبع ذلك من محاولات لتصفيتها وإزالتها ومسحها من الوجود (إزالة التمكين) أما التحدي الثاني فهو التحدي المرتبط بالحرب وكان من بين التخطيط الماكر إستهدافها علي نحو لا تقم معه قائمة .

رؤية ذاتية 

المفاجأة كانت لا أقول سارة ولا أقول مُرة لكنها كشفت معدن الحركة فقد ازدادت لمعاناً وتوهجاً وإشراقاً ليس بفضلها ولكن بفضل الله عليها وعلي الشعب السوداني فحينما وقعت الحرب نزح من نزح وهاجر من هاجر وغادر البلاد من غادر كل إلي وجهته المكتوبة فاللافت للإنتباه أن كوادرها انتشرت في الأرض تبتغي فضلاً من الله ورضواناً ومن غير تكليف ولا توجيه من القيادة كل عمل فيما يستطيع أن يعمل من مكسب وإنجاز فمن تشرب المبادئ لا تعجزه مواجهة البلاء فمن غير تعليمات ولا أوامر كل انخرط في مجاله أو في الحقل الذي يجيده ويجد فيه نفسه وهذا حدث من تلقاء كل فرد يبذل جهده ومسعاه بدوافع ذاتية وفق الظروف التي تتوافق معه أو الواقع الذي يعيش فيه، فعلي المستوي الشخصي أو فلنقل تجربتي الذاتية من خلال وجودي في أنوية الحركة فحينما إندلعت الحرب في العام 2023م كنت حينها في الخرطوم لأنزح بعدها إلي ولاية الجزيرة فطاب لي المقام في منطقة أربجي التي اتخذتها مقاماً ولو إلي حين فنشطت في العمل الدعوي والخيري والإجتماعي عبر منظمة طوعية أسستها قبل فترة طويلة لكن نشاطي الأكاديمي في جامعة السودان إلي جانب أعباء أخري جعل نشاط المنظمة محدوداً .

ويستمر العطاء 

فكنت أخطب الجمعات في عدد من المساجد بالجزيرة هذا إلي جانب العمل في التعبئة والإستنفار لمواجهة العدو وبعد أن دخل المتمردون للجزيرة سأل الدعامة عني بالإسم وكانوا يحملون قائمة تحوي أسماء عدد من المطلوبين للقبض عليهم واعتقالهم وكنت من ضمنهم فيسر الله لي خيار مغادرة الجزيرة تلقاء سنار ثم توجهت صوب سنجة فأبو رخم فإلي القضارف وصولاً إلي كسلا حيث بدأ نشاطي في مجال الدعوة والإرشاد والتوجيه وبنيت شبكة علاقات واسعة مع المؤسسات الدعوية والمنظمات الخيرية ورجالات الإدارة الأهلية وأعيان المجتمع وبدأت أخطب الجمعة في المسجد الكبير ونشطت في عقد الندوات والمحاضرات وأنجزت شراكات مع هيئات رسمية وشبه رسمية من خلال المنظمة التي أسستها (كنوز) ثم تعاونت مع جمعية التربية الإسلامية بالبحرين ونفذت مشروعات مشتركة استهدفت المحتاجين والأسر المتعففة والأرامل والأيتام وأصحاب الحوجات ثم انتقلت للعمل كمستشار لوزير الشئون الدينية والأوقاف الأسبق أسامة حسن محمد أحمد وطفنا علي عدد كبير من مدن الولايات نبشر بالدعوة إلي الله وهذا من غير أن يأتيني أي توجيه رسمي من القيادة العليا للحركة .

تعبئة واستنفار

وهذه كلها مبادرات ذات طابع شخصي ومن خلال قوة دفع ذاتية تنبع من الداخل لأنني استشعرت عظم المسؤولية الملقاة علي عاتقي وبأني قادر علي البذل والعطاء وهذا أمر ينسحب علي غالب شباب وكوادر الحركة وقياداتها لا ينتظرون التعليمات فمن كان داخل البلاد كان في الساقة والحراسة ومن كان خارج البلاد كان في الساقة فهناك من انخرط في صفوف المقاومة الشعبية لحماية الأرض والعرض وصد العدوان مسانداً للجيش وهناك من قضي نحبه وذهب إلي ربه شهيداً وهناك من ينتظر وهناك من أُصيب وما بدلوا تبديلاً فالهم واحد والقضية واحدة والهدف واحد وهكذا حال من غادر إلي الخارج واستقر في مصر أو تركيا أو قطر وغيرها كل يعمل بالقدر الذي يستطيع ولعل كل هذه المبادرات جعلت الشعب السوداني يعيد النظر في أمر الحركة ولا أبالغ إن قلت هناك من عض أصابعه نادماً وأحس أنه ظلم الحركة حينما وقع أسيراً لخطاب الكراهية والحملات المنظمة التي حاولت التغبيش والتشويش لكنه عاد وجدد ثقته في الحركة فبدلاً من شعار (أي كوز ندوسو دوس) نجد لسان حالهم يقول (أي كوز نبوسو بوس) – إن جاز التعبير –

قُضي الأمر

نفعل كل ذلك من غير منٍ ولا أذي وهذا قطعاً ليس من أجل العودة للسلطة كما يتوهم البعض وإنما حباً للوطن وإنحيازاً للمواطن فالقضية هي قضية وطن مستهدف فنهض أهل الحركة و خاصتها وعامتها علي حد سواء للدفاع عن البلاد فالحركة في أساسها حركة مجتمعية مرتبطة بالحراك الإجتماعي والعمل وسط الناس ، وهذا لا يعني أن الحركة سليمة ومعافاة وخالية من الأخطاء والإخفاقات والشوائب، علي العكس تماماً فأنا شاهد علي وجود إشكاليات وخلافات ورغم أنها محدودة مرتبطة بالخلاف حول القيادة لكن أيضا هذا أمر تم التداول فيه وحوله علي نطاق واسع ، وأهمية ذلك أن الشباب هم من حسموا الأمر والآن الجميع يتطلع لأدوار جديدة وفق المعطيات الراهنة بالاستجابة للتحديات الماثلة وكيفية التعاطي معها علي نحو إيجابي يخدم الاسلام ويجنب البلاد المهددات ويجعلها تنهض من جديد وليس ذلك علي الله ببعيد إنكم ترونه بعيداً ونراه قريباً فالحركة الإسلامية لم تبني بنيانها علي شفا جرف هار من الممكن أن ينهار في أول مواجهة وامتحان لكنها تأسست علي كلمة التقوي عبر بنيان مرصوص وهو كذلك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى