
بقلم د. عبدالمحمود أبو
“أنماط الدعوة”
تناولنا في الحلقات السابقة رؤية الإمام الصادق المهدي للصحوة الإسلامية مستعرضا مقومات الرسالة الخاتمة وما حققته للإنسانية من عدل ورحمة، ثم ذكر الأسباب التي جعلت الأمة تتراجع وحال المسلمين وأسباب الغفوة ثم عوامل الصحوة، واليوم نتناول رؤيته عن الأنماط العاملة في الساحة الإسلامية وأيها أجدر بالتعبير الصحيح عن الرسالة الخاتمة؛ فقال: لقد عبرت القيادات الإسلامية والمفكرون عن تلك الصحوة بأنماط مختلفة أذكر منها:
أ-التقليد:
يرى بعض المسلمين أن ثمة نظاماً سياسياً اقتصادياً اجتماعياً ذو سياسات واضحة في العلاقات الدولية. وذو تشريعات مفصلة تناولها الائمة وقيدوها في الأسفار المرجعية، وأن الصحوة الإسلامية هي تطبيق ذلك النظام وتلك التشريعات. الصحوة الإسلامية في نظر هؤلاء هي تطبيق جديد لديوان قديم. هذا التصور يمثله فكر “المؤسسة الدينية في البلاد السنية. والمؤسسة الشيعية في البلاد الشيعية. والحركات الإسلامية المحافظة “.
ب-الترقيع:
استجابة لزخم النداء الإسلامي، يرى بعض الحكام في البلاد الإسلامية أن ثمة وجوهاً من التشريع الإسلامي ينبغي تطبيقها، فإن طُبِّقت فإنها كفيلة بجعل نظامهم القائم نظاماً إسلامياً.
ج-التذرع:
يرى بعض مفكري المسلمين أن النظام اللبرالي نظام حسن. أو أن النظام الاشتراكي نظام حسن، وأن الإسلام مطابق لهذ النظام أو ذاك، فهم يدعون للإسلام من زاوية موافقته لنظم أخرى مستحسنة.
د-التبعيض:
ومن المسلمين من يرى أن الإسلام نظام ديني وخلقي. وأن جوانبه الاجتماعية يمكن صرف النظر عنها وتجاوزها، ومن هؤلاء من أبقى على عاطفة إسلامية دافئة يشبعها بممارسة الإسلام على أنه دين يوم الجمعة والأعياد، ودين ترشيد للحياة الروحية والخلقية.
هـ -الحماسة:
وبعض المسلمين يندفع في قضية البعث الإسلامي اندفاعاً حماسياً خالياً من البرامج والخطط، المهم في نظرهم إعلان الانتماء الإسلامي بأعلى صوت. وتأكيد الالتزام الإسلامي بأقوى صفة. والمسائل الأخرى سوف تتبع بعد رفع راية الإسلام.
و-التسييس:
ومن المسلمين من جعلوا الدعوة الإسلامية حزبية، فصار الإسلام في نظرهم مطابقاً لانتصار أحزابهم بوسيلة ما … فإن انتصرت بانتخابات أو بغيرها، فإن نظام الإسلام سوف يقوم بتداعي الظروف.
ز-الشمول:
هذه الأنماط. أنماط ناقصة، فالمطلبان اللذان يواجهان المجتمع المسلم اليوم هما بعث الإسلام. واللحاق بالعصر، وهذه مهمة ليست جديدة؛ بل تكررت مواجهتها عبر التاريخ الإسلامي كله، فكل الخلفاء الراشدين واجهوا قضية التطبيق الإسلامي في ظروف جديدة وعالجوها بالاجتهاد والتجديد. هكذا فعل “أبو بكر الصديق ” رضي الله عنه، عندما عين “عمر” خليفة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عين.
وعندما قاتل مانعي الزكاة وهم يقولون لا إله إلا الله.
وهكذا فعل “عمر” رضى الله عنه، عندما عطل سهم المؤلفة قلوبهم. وعندما منع تقسيم أرض سواد العراق على المجاهدين. وعندما وضع الخراج – وهو ضريبة لم يعرفها المسلمون من قبل -. وعندما أقام الديوان.
وهكذا فعل “عثمان بن عفان” رضي الله عنه، عندما وحَّد لغة القرءان. ورتب الآيات والسور. وأحرق النصوص الأخرى.
وهكذا فعل “علي بن أبى طالب ” رضي الله عنه، عندما رفض الالتزام بسنة الشيخين. وعندما ضرب في الخمر ثمانين جلدة.
هذه الإجراءات اجتهادية. وليست توقيفية، و “ابن القيم” حمل حملة شعواء في “الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ” على الذين قتلوا الدين بقولهم: إن السياسة الشرعية لا تكون إلا من نصوص نقلية. قال مؤيداً حديثاً استشهد به لـ “ابن عقيل” في الفنون أنه قال: (السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول. ولا نزل به وحي) وأضاف: “فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات. فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه “ .
لقد تصدى المفكر الإسلامي الأول الإمام “الغزالي” لمشكلة التقليد هذه، ووضع قاعدة واضحة في تنحيتها. إذ قال في ” المنقذ من الضلال “. (إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، إذ من شرط المقلد ألا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شِعْبٌ لا يُرأب ” لا يصلح” وشَعثٌ لا يُلم بالتلفيق والتأليف إلا أن يذاب بالنار وتستأنف له صيغة أخرى مستجدة).
وكما أن التقليد لا يجدينا. فإن الترقيع لا يجدينا أيضاً، لأن نظام الإسلام يشد بعضه بعضاً، بحيث لا يجوز تطبيق أحكام الإسلام الجنائية مثلا في مجتمع غير إسلامي؛ لأن هذه الأحكام تتكامل مع جوانب أخرى: روحية وخلقية وعدالية، فإن غابت. صار تطبيقها محض ظلم، إنها أحكام يحصن بها المجتمع المسلم نفسه، فإن طبق لحماية نظام لا يحقق مقاصد الإسلام. فذلك وضع الشيء في غير موضعه.
والتذرع هزيمة أمام الفكر الوافد لا تليق بدعوة الاسلام، صحيح لا يجوز لنا أن نتحدث عن الإسلام في فراغ من عصرنا. ولا يجوز لنا أن نحرم أنفسنا من كل معارف وتقنيات الإنسان؛ بل علينا أن نطرقها كلها، فالحكمة ضالة المؤمن. حيث وجدها أخذها، ولكن ينبغي أن تكون الذات التي تقتبس وتستفيد، ذاتاً إسلامية.
أما التبعيض فيجافي حقيقة الإسلام الذي تكاملت هدايته في كل المجالات “الروحية والخلقية والاجتماعية”. تكاملا صدق في وصفه المصطفى عليه الصلاة والسلام إذ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة. حتى إماطة الأذى عن الطريق)
والحماسة وحدها تجافي نهج الإسلام الذي قام أولا على التربية والالتزام، وثانياً على إعداد الصحابة والمقتدى بهم، وثالثاً على التدرج ونفي الحرج.
أما التسييس. فَعِلَّتُهُ هي أن البعث الإسلامي ليس مجرد حركة سياسية؛ بل ينبغي أن يكون حركة فكرية وبعثاً حضارياً أيضاً، فإذا جاز لحركتي الحماسة والتسييس أن تَلِيَا السلطة في بلاد ما. فإنهما بموجب رد الفعل الحزبي سوف تحيدان أو تستعديان كثيراً من المسلمين، وسوف تنشغلان تماماً بقضايا السلطة. وتجدان أنهما جريا وراء السلطة السياسية، وأنهما مضطرتان للتنازل عن مقتضيات إسلامية موقعاً موقعاً !
بل إن أكبر محنة تواجهها حركة حزبية إسلامية إذا انتصرت سياسياً، هي أنها تواجه مجتمعاً قائماً على نظام تعليم واقتصاد وادارة وبرامج وخطط وكوادر بديلة، فإنها إما أن تحاول الغاء النظم القائمة بطريقة عفوية، وإما أن تحاول استصحابها والإبقاء عليها كما هي، وفي الحالين تكون النتائج وخيمة. وتفرغ مضمون النظام الإسلامي إفراغاً.
النمط الوحيد الصالح لبعث الاسلامي، هو ذلك النمط الشامل الذي يدرك أن الاسلام عقيدة ونظام حياة وحضارة على النحو الذي سوف نفصله لاحقاً.
والتطبيق العملي والممارسة الواقعية أثبتا صحة تحليل الإمام وعمق تفكيره.
ونواصل.



