
بقلم د. عبدالمحمود أبو
مداخل الكبوة
دعوة الإسلام خاطبت الإنسان مراعية الواقع الذي يعيش فيه مدركة العوامل المؤثرة في تفكيره والتحديات التي تواجهه؛ لذلك فإن الإمام تناول البعث الإسلامي مستعرضا موجباته ومقوماته وفي هذه الحلقة تناول القضايا التي تشكل تحديات للصحوة الإسلامية وضرورة التعامل معها بمنهج يجيب عن تساؤلاتها ويعالج إشكالياتها فقال:
مهما كان الحماس لبعث الإسلام، ومهما قويت العوامل السياسية الموجهة لذلك، فإن النقاط التالية تشكل مداخل كبوة ينبغي سدها:
أ-دفاعات المجتمع العلماني:
إن المجتمع العلماني الموروث من عهد الاستعمار في البلدان الإسلامية، يقوم على مؤسسات تحميه من تقلبات الادارة السياسية. فنظم التعليم، والأمن، والادارة، والاقتصاد فيه، وأساليب الحياة الشخصية وممارستها، حصون قادرة في المدى القصير على الثبات في وجه الارادة السياسية المضادة وإبطال برامجها.
فالصحوة الإسلامية التي تقوم على الانتصار السياسي وحده ولا تعنى بما وراء ذلك. ستجد نفسها غربية في المجتمع الذي تحكمه وستهزم عن طريق هذه المؤسسات داخلياً والالتفاف الخارجي.
ب-صورة الإنسان:
أولا: مسألة المعرفة: الفكر التقليدي يرى أن المعرفة كلها نقلية. والفكر العلماني يرى أن المعرفة كلها إنسانية، أما الإسلام فانه يقر كل وسائل المعرفة “الوحي، الإلهام، العقل، التجربة “:
-الوحي:﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾[سورة آل عمران:44].
-الإلهام:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾[سورة الحديد:29].
-العقل:﴿ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[سورة الرعد:4].
-التجربة:﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. [سورة العنكبوت:20].
ثانياً: مسألة الأخلاق: بعض الفكر التقليدي يرى أن الأخلاق نقلية، وبعض الفكر العلماني يرى أن الأخلاق نفعية، أما الإسلام فيقيم الأخلاق على أسس موضوعية هي:
الإيثار:﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾. [سورة الحشر:9].
المماثلة: “لا يتم ايمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” .
الحكمة:﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾. [سورة الأعراف:157].
الإسلام يقيم الأخلاق على أسس موضوعية، ويربطها بحوافز روحية، هذه الصورة للإنسان ذي المعارف المتعددة الوسائل، المتكاملة؛ بحيث تتوافق حقائق الوحي والعقل، وذوي الأخلاق الموضوعية؛ هي الصورة التي تناسب الإنسانية المختارة المكرمة حاملة الأمانة، فإذا قمطناها حقها كما حدث في الصراع بين الفكر الأوروبي والكنيسة، لأدى رد الفعل لتأليه الإنسانية كما تفعل الفلسفات العلمانية.
ج-العلوم الحديثة:
إن الأمة الإسلامية تخسر، وسوف تظل تفقد مئات الشبان والشابات؛ لأن معارفنا الإسلامية الحالية تقدم تفسيرات للطبيعة تتعارض مع معارف علمية حديثة.
لنأخذ مجالين على سبيل المثال: البيولوجيا “أي علم الحياة”. والكوزمولوجيا “أي علم الكون”. ففي البيولوجيا تدرس نظرية النشوء-وهي نظرية يرفض الفكر التقليدي مجرد بحثها بجدية -إن النظرية تنقسم إلى قسمين:
قسم هو عبارة عن حقائق تكوين المخلوقات أطواراً عبر سنوات طويلة من الزمان، ووجود علاقات عضوية بين الكائنات ووجود تشابه في سلوكها نحو بيئتها.
والقسم الثاني هو عبارة عن تنظير: إن الذي يفسر الأطوار والتشابه هو الانتخاب الطبيعي المحكوم بعوامل مادية بحتة، أما القسم الثاني فهو تنظير ضعيف طعن فيه الفكر العلماني نفسه مما أدى لما يسمى “الدارونية الجديدة”. أما الحقائق العلمية المذكورة فيمكن استعراضها على ضوء البيانات القرآنية:
• يوم الله ليس كيوم الإنسان في الأرض، وزمن الخلق غير محكوم بيومنا المعروف.﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾[سورة السجدة:47]. وقال تعالى:﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾[سورة المعارج:4].
• ثمة صنوف قبل آدم ذات صلة به:﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾[سورة نوح:14].
• ثمة تماثل بين أصناف الخليقة:﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾[سورة الأنعام:38].
وفي الكوزمولوجيا جاء قوله تعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً ﴾[سورة الملك:3]. وقوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ ﴾[سورة الحجر:17]. وقوله﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾[سورة النبأ:12]. قال معظم المفسرين إنها الكواكب السبعة، وهذا تفسير غير صحيح؛ لأن المعلوم الآن أن الكواكب أكثر من سبعة؛ بل تسعة. والإشارة لسبعة ربما كانت لطبقات الضوء السبعة، وأن لها دوراً أساسياً في تركيب الكون، وفسر المفسرون قوله:﴿ وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾[سورة النازعات:30]. أي بسطها، ودحى تعني كوَّر، وحقيقة الأرض المشاهدة بالعين كروية ولكن الأقدمين فهموا النصوص على ضوء معارف عصرهم. إن التباين الواضح بين تفاسير الأقدمين السائدة حتى اليوم وحقائق العلوم الحديثة الثابتة نافذة مروق من الإسلام.
د-مسألة المرأة:
النصوص الحاكمة لموقف المرأة في الإسلام هي:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾[سورة النساء:1]. وهو نص يفسره الحديث: “النساء شقائق الرجال ” فهما من نفس واحدة ذات شقين: شق مذكرها وشق مؤنثها. والتشريعات الخاصة بوضع المرأة كما سنرى، تشريعات معللة تدور مع عللها، ولكن الفهم التقليدي والفكري المعادي للإسلام صوَّرَا المرأة في الإسلام كائناً ناقص الإنسانية، وناقص المسئولية، هذا التصور تسبب في ظلم تعاليم الإسلام. وفي زيغ الكثيرين عنه، خاصة النساء اللائي نلن قسطاً من التعليم الحديث.
هـ -الغفلة الاجتماعية:
مع شدة حرص الإسلام على العدل الاجتماعي وربط الدين بقوة الحس الاجتماعي:﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ ﴾[سورة الماعون؛1-3]. مع ذلك. فإن كثيراً من المسلمين يغفلون المسألة الاجتماعية، هذه الغفلة عن المشكلة الاجتماعية منفذ أذىً للإسلام لا حد له.
و-المسألة الجمالية:
الإنسان أينما وجد، عاش أربعة تجارب: تجربة روحية غايتها الإيمان، وتجربة فكرية غايتها الحق، وتجربة خلقية غايتها الخير، وتجربة ذوقية غايتها الجمال. كثير من المسلمين يتحدثون عن الإسلام كأنه يسقط التجربة الرابعة، وكأنه ينفي أن يكون في الإسلام تجربة ذوقية.
إن إنكار بعض العوامل الحيوية في التجربة الإنسانية كان سبباً مباشراً في رد الفعل الذي نمت منه بذور العلمانية في أوروبا، والإسلام لا يسقط التجربة الذوقية؛ بل يقرها وينميها ويرشدها كما سنرى.
سنواصل



