مقالات الرأي
أخر الأخبار

حين يُشترى القرار..النفوذ المالي الإماراتي وتعقيد الأزمة السودانية داخل البيت الأفريقي!؟

السفير.د.معاوية البخاري

لم يعد من الممكن التعامل مع التغلغل الاستعماري عبر الحركة المريبة، والخطاب الإماراتي الاستعلائي حول السودان بوصفه مجرد “حرص على الاستقرار” أو “دعم للسلام الإقليمي”. او (سعي حميد برحمة مغلفة )ويدها غارقة في اليمن وليبيا والصومال وكل بقعة في إقليمنا . لكنها تهرب من المواجهة عندما تكشف زيفها وباطلها بميناء المكلا اليمني وأرض الصومال واكتفت بالهروب . فالتجربة العملية، وتسلسل الوقائع، وتناقض الخطاب مع الممارسة، تكشف نمطًا متكررًا من استماتة توظيف النفوذ المالي لإعادة تشكيل المواقف السياسية خارج فضاء انتمائها، وإرباك العلاقة بين السودان ومنظمته القارية، بما يصب – موضوعيًا – في مصلحة التمرد وإطالة أمد الحرب والمعاناة على شعبنا.

تصريحات المستشار الدبلوماسي للرئاسة الإماراتية، قرقاش لشبكة CNN الأمريكية التي تحدث فيها عن “رغبة بلاده بحكم ثقلها ونفوذها الجيوسياسي! في أن يسهم السودان الموحد في أمن الإقليم والاستقرار ”، وان بلاده لا تريد ان تري الدور السابق للإخوان المسلمين او اي منظومة راديكالية في السلطة!؟ ليست مجرد زلة لسان، بل تدخل سافر في شأن داخلي وتعبير مكثف عن رؤية توسعية تتعامل مع السودان كملف أمني مفتوح بما تفرضه من مواجهة في الحرب عليه، لا كدولة ذات سيادة وعضو أصيل في الاتحاد الأفريقي من مسئول في دولة خارج الاقليم . هذه الرؤية لا تبررها الجغرافيا، ولا يقرّها التاريخ السياسي للقارة، ولا الاستثمارات أو الدبلوماسية التي يدعيها قرقاش بل تعكس نزعة تدخلية منتفخة ومتوهمة مغلّفة بلغة الشراكة، وبلاده رأس البلاء الذي يعيشه السودان بالحرب التي تمولها والارهاب الذي تصدره عبر المرتزقة والسلاح النوعي. كيف يتوحد السودان يا هذا وبلادكم تقف وتمول مشروعات تقزيم الدول القائمة ، وترعى التمرد وتدعم حربها وهي الصانعة والحاضنة لكيانات صمود وتأسيس منذ ثورة الشؤم، واعتصامها الذي رعاه سفير دولتكم.

المال بدل السياسة

في أفريقيا المعاصرة، لم يعد النفوذ يُمارَس فقط عبر الجيوش أو الانقلابات، بل عبر المال السياسي: وخطط تغيير الجغرافيا والديموغرافيا والاستيطان بتمويل، منح، استثمارات، دعم مؤسسي، ورعاية فعاليات. وفي الحالة السودانية، برز هذا النمط بصورة فجة، حيث تحوّل المال إلى أداة لإفساد مواقف بعض المسؤولين والوسطاء، داخل السودان وخارجه، وتعطيل تشكّل موقف أفريقي صريح يضع حدًا للتمرد، منذ وصفتهم بعيد الحرب التي عرفت (بخفض التصعيد) بتماهي مع الضغوط الغربية.

ليست المشكلة في الاستثمار أو الدعم الإنساني بحد ذاته، بل في تبييض قوة الواقع وتسييسه: ودس سم السلاح والقنابل في صناديق الغذاء بغلاف انساني معلن في كل الوسائط. حين يُستخدم مثل هذا الغطاء لتليين مواقف، أو شراء صمت، أو فرض “حياد زائف” و دعاوي للوساطة عبر الرباعية وهي منصة لتمويل الحروب واستدامة النزاعات ومشروعات التقسيم في المنطقة، و دولتكم تُساوي بين الدولة وميليشيا متمردة. عندها يصبح المال بديلًا للشرعية، ويغدو القرار الأفريقي سلعة قابلة للمساومة وتوظيف المصالحين والمطبعين في توظيف ادوات الداخل في مشروعها التخريبي الهدام.

إرباك السودان داخل الاتحاد الأفريقي

الأخطر من التدخل المباشر هو تشويه علاقة السودان بمؤسساته القارية، وتصيده بالوصفات العدائية والسرديات الشريرة، وحبسه من استعادة عضويته. فبدل أن يكون الاتحاد الأفريقي سندًا للدولة العضو في مواجهة التمرد، جرى بفعل الضغوط والتأثيرات المالية دفع المنظمة إلى تبني خطاب مُعقّم، إنساني الشكل، سياسي المضمون، يحمل اجندات الخارج ويفرغ مفاهيم السيادة الوطنية والمسؤولية الجماعية داخل البيت من محتواها بنفوذ المال.

بهذا المنطق، يُعاد تكريس تعريف الأزمة: لا دولة تواجه تمردًا مسلحًا، بل “طرفان متساويان” في نزاع، كلاهما مدان، وكلاهما مطالب بالتنازل. هذه المقاربة التي تتبناها وتسوقها الإمارات منذ تعطيلها وإجهازها على البيان العربي في نيويورك في ١٨ أبريل٢٠٢٣م بُعيد الحرب بثلاثة أيام وهي ممثل العرب بمجلس الامن وقتها، كشفت انها صانعة الحرب ، ومثل هذه الدعاوى الماكرة التي يعبر عنها مستشارها لا تغير ثوب الثعلب ولا تُنهي حربًا، بل تمنح التمرد شرعية زمنية، وتبعث برسالة مفادها أن الاستمرار في السلاح مجدٍ طالما أن المجتمع الإقليمي لن يحسم المعادلة.

بيانات ناعمة… ونتائج خشنة

البيانات المشتركة، وآخرها البيان الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي على خلفية لقاء وزير الدولة الإماراتي شخبوط بمفوض الاتحاد الأفريقي في يناير 2026، تزخر بلغة مثالية: وقف إطلاق النار، الحكم المدني، حماية المدنيين، وحدة السودان. لكن السياسة لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُنتَج.ولولا تدخل دولته بالشحنات عبر نيالا وأدري وأم جرس والحدود مع ليبيا وجنوب السودان، لما سقطت الفاشر وقتل عشرات الالاف وهُجّروا وحلّ الاغتصاب وانتهكت حرمات المرضى على أسرتهم وعم الهدم والتشريد، وكانت يومها فضائيتها تقف على حجم الكارثة التي حلت وتذرف دموع التماسيح!.

ما الذي أنتجته هذه المقاربات المدعاة؟

• لم يتوقف القتال وتمويل الحرب والدمار والإفقار والتحرش عبر المنظمات الاقليمية والدولية

• لم تُعزَّز مؤسسات الدولة وظلت حالة الهشاشة والإرباك السياسي لسنوات .

• لم يُعزل التمرد سياسيًا وهو يجد ثدي الإمارات الحلوب ومواردها توظف بلا وازع اخلاقي او قيمي.

بل على العكس، جرى تدوير الأزمة، وإبقاؤها مفتوحة، وتحويل السودان إلى ورقة ضمن تأمينات أوسع تتعلق بالبحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وربط أمن أفريقيا بحسابات الخليج.

إدماج أفريقيا في معادلات غير أفريقية

حين يُربط أمن القرن الأفريقي بأمن الخليج العربي، كما يرد في الخطاب الإماراتي تحديداً، فذلك يعني سحب القرار الأمني الأفريقي من سياقه الطبيعي، وإدخاله في معادلات شرق أوسطية لا تخدم بالضرورة مصالح شعوب القارة. السودان، في هذا التصور، ليس غاية، بل وسيلة: ممر، مجال نفوذ، أو عقدة جيوسياسية.

وهنا مكمن الخطر: تحويل السودان من عضو فاعل في منظومته القارية إلى أداة ضمن صراعات الآخرين وطموحاتهم الشاطحة ، او لعبة ضمن مصالح الارادات المتقاطعة . وهذه ليست شراكة، بل وصاية ناعمة ومطامع بينة لابد من لجمها وكفكفتها.

من يستفيد؟

في السياسة، السؤال الحاسم دائمًا: من المستفيد؟

المستفيد من إرباك الموقف الأفريقي ليس الدولة السودانية، ولا المدنيين، ولا السلام أو الاقليم. المستفيد هو الأداة (المليشيا والتمرد) الذي يجد في الغموض الدولي متنفسًا، وغطاءً تبريريا لأفعاله وجرائمه وانتهاكاته للقانون الجنائي الدولي والإنساني التي صبغتها الادانات الدولية والتقارير الحقوقية الصادرة من كبريات الصحف وفي الحياد المصطنع غطاءً، وفي المال السياسي وقودًا للاستمرار.

إن أي مقاربة لا تُسمّي الأشياء بأسمائها، ولا تُفرّق بوضوح بين الدولة والميليشيا، هي – مهما حسنت نواياها المعلنة – مقاربة تخدم استمرار الحرب وتجارها وسماسرتها بالإقليم .

خلاصة

السودان لا يحتاج إلى دروس في “الأمن الإقليمي”، ولا إلى أوصياء من خارج أفريقيا يحددون له أدواره. ما يحتاجه هو موقف أفريقي مستقل، وموظف إفريقي يعمل لأجل القارة وميثاقها وإنسانها، غير قابل للبيع، أو الإملاء والمساومة يضع حدًا لاستخدام المال كأداة سياسية، لضر العمل الجمعي المشترك.

إن النفوذ المالي الذي يُستخدم لإفساد القرار، وشراء الذمم والأخلاق لكبار الموظفين بالمنظمات الاقليمية أو لإرباك علاقة دولة بعضويتها القارية الممتدة لعقود، ليس دعمًا للاستقرار، بل تقويض له. وحين يُشترى القرار، يُباع الوطن. وحين تُدار الحروب بالوكالة من خلف الستار المالي، والنسق الاقليمي المعروف يدفع المدنيون الثمن دمًا وتشريدًا ودماراً لأعيانهم المدنية وبنياتهم التحية وخدماتهم .

فالاتحاد الأفريقي يناقض نفسه عندما يدين الاعتراف الاسرائيلي بارض الصومال والحماية التي توفر له وينسق مع الإمارات التي تعبث بالسودان والصومال عبر المليشيات ورعاية الارهاب .لقد آن الأوان لأن يقول الأفارقة كلمتهم بوضوح:

أمن أفريقيا يُصاغ في أفريقيا وبعقل رجالاتها لا بالاستلاب والتدخل والإغراءات خارج فضائها، هذا ما يقول به ميثاق الاتحاد الأفريقي، او يجب أن يكون، والسودان ليس ساحة مفتوحة لتجارب النفوذ المادي والصلف والجبروت في التغول ودعم ورعاية المليشيات على حساب الدولة الوطنية، والكل يراقب نتاج فعالها الاجرامية على الساحة الأفريقية ونهمها للموارد والمواني والأراضي خارج سياقات التعاملات الدولية والمصالح المشروعة عبر الشراكات الرسمية، لا الابتزاز والسرقة، فبلادنا ليست ورقة مهملة في لعبة إعادة توزيع الأدوار الإقليمية والتحكم في موارد البلدان أو الوصاية عليها .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى