مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإمام الصادق المهدي وإسهاماته في تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الدعوي (12)

د. عبدالمحمود أبو

كان الإمام الصادق المهدي واعيا بالتحديات التي تواجه البعث الإسلامي، ولذلك عمل جاهدا على تهيئة المجتمع وتبصيره بالمشاكل التي تواجهه، ودعا العلماء والمفكرين والساسة لمواجهة تلك التحديات بوعي؛ وهي تحديات يستطيع الفكر الإسلامي المستنير والجاد التعامل معها من داخل نصوص الإسلام القطعية ومقاصده. وذكر سبعة منها في حينها وهي:

(1) – الثورة العلمية والتقنية: 

الثورة العلمية والتقنية التي عمت العالم اليوم، ثورة مكنت الإنسان من معرفة كثير من قوى الطبيعة وتسخيرها، هذه الثورة مستمرة باطراد هندسي؛ بحيث يتزايد عطاؤها عاماً بعد عام، تزايدا رهيباً فاق كل مقدرات الإنسان الأخرى، مما أظهر الحاجة لأمرين هامين هما: التوازن بين التقدم العلمي والبيئة ، وتحديد الأسس الخلقية التي تحكم هذا التقدم، وهاتان المشكلتان فرع من مشكلة أساسية يعاني منها المجتمع الحديث، المجاعة الروحية التي عمت أركانه؛ فراح الناس يملؤون فراغها بكل الوسائل “تعاطى المشروبات الروحية ، المخدرات ، المعتقدات الغريبة ، المبالغة في علاقات حنان بالقطط والكلاب، والممارسات التي تجد في الشذوذ نوعاً من إشباع الجوع الروحي والوحشة “.

كثير من الملل القديمة لا تستطيع أن تقدم شيئاً في هذا المضمار؛ لأنها ضد المعرفة العلمية والتقنية، وكثير من النحل الحديثة عاجزة كذلك لأنها ضد القيم الروحية والخلقية أو محايدة إزاءها؛ أما الإسلام فإنه مع المعارف العلمية والتقنية. وهو أيضاً مأدبة تعاليم روحية وخلقية.

(2) – الثورة العدالية:

العالم اليوم يمر بمرحلة استيقظت فيها قطاعات كثيرة من الشعوب لحقوق ضائعة، فالفئات المستضعفة تنشد العدالة الاجتماعية، والجنس المستضعف ينشد المساواة الإنسانية بين الرجل والمرأة، والأعراق المستضعفة تنشد المساواة العرقية واللونية، وحتى القطاعات التي لم تكن لها حقوق في الماضي من شبان وصبيان، هؤلاء جميعاً زحموا صفوف الثورة العدالية وصارت مطالبهم مسيسة لا تستطيع قوة سياسية إغفالها. هذه الثورة، لا تستطيع الملل القديمة – باستثناء الإسلام – إرضاءها، لأنها إما مديرة قفاها للعالم، منصرفة إلى ما وراء الغيب، وإما ملتزمة بالدفاع عن واقع اجتماعي معين –كالهندوسية-من واجبها أن تحميه من تقلبات الزمان.

(3) – الثورة التنموية:

الناس – عدا الزهاد -يتطلعون دائماً لتحقيق مستويات أعلى في المعيشة، هذا التطلع زادته في العصر الحديث امكانات التقدم الاقتصادي، وتبادل المعلومات، بحيث يشهد الناس ما استمتع به الآخرون في البلاد المتقدمة. فيسيل لذلك لعابهم.

لقد أصبح النشاط الاقتصادي في ظل النهضة العمرانية الحديثة نشاطاًَ كثيفاً مخططاً هادفاً لمزيد من تيسير سبل الحياة وتطويرها، والناس في كل مكان يتطلعون للمشاركة في هذا الزخم التنموي الذي لم يعد يترك مجالا للملل والنحل التي لا تعترف بأهمية المطالب المادية والعمران، والتي لا تستطيع أن تتصور وتحقق التنمية.

(4)-حرية الضمير:

إن الاستجابة المخططة لكل ما أسلفنا من تطلعات، تزيد من أعباء الجماعة، وعلى الرغم من ذلك فإن الإنسان في كل مكان يرفض الوصاية على ضميره، ويريد أن يكون حر الضمير. فيعتقد ما يشاء. ويقرأ ما يشاء، ولكن هذه الحرية كثيراً ما تقوض قيماً أخرى لازمة لسلامة الفرد والجماعة، فكيف يمكن التوفيق بين حرية الضمير وسلامة المجتمع؟

(5) – حقوق الإنسان:

والإنسان في كل مكان صار واعياً بحقوق لا يريد المساس بها ” كرامته، وشرفة، ونفسه، وماله، وحرية بيته وحريته الاجتماعية “. هذه الحقوق الفردية ربما خالفت حقوقاً جماعية أخرى، فكيف يمكن تحقيق التوازن. لا بين الحق والباطل ولكن بين حقين؟

(6) – علاقات الأديان:

كل مجتمع حديث وكل دولة حديثة يسكنها قوم متعددة أديانهم ومعتقداتهم، والعلمانية حلت هذه المشكلة بإنكار وجودها وإفراغ الكيان السياسي القائم – وهمياً – من القيم الروحية لتتساوى الملل المختلفة في الظلم.

وهنالك الحل الإسرائيلي للمشكلة، وهو تمييز العنصر اليهودي الصهيوني. ومعاملة الآخرين معاملة تغفل أو تُسقط وجودهم.

إن الحل السوي لهذه المشكلة هو الحل الإسلامي: الاعتراف بالملل الأخرى، واحترام كيانهم الذاتي. وتنتظم حقوق أتباعها المدنية والاجتماعية بلا ضرر ولا ضرار ما داموا يعترفون بسيادة الدولة التي يعيشون فيها.

(7) – العلاقات الدولية:

المفهوم العلماني للدولة يجعلها جزيرة قائمة بذاتها؛ لأن العلمانية تنطلق من مفاهيم محددة، فمفهوم السيادة مثلا مفهوم مطلق لا يخضع لأية قيود؛ بل يرمز له – مبالغة في التحليل والاطلاق -بالحيوانات الكاسرة “النسر، والليث ونحوهما “. وهذا الوضع لا يرجى معه علاقات سلمية بين الدول، اللهم إلا على أساس الضرورة، والتحدي الذي يواجهه القانون الدولي والعلاقات الدولية اليوم بين سيادة الدول وواجبها نحو السلام والعدل والمودة بين الناس.

ونواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى