
القائد الأمين داؤود
لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد حدث عابر في تاريخ الأزمات المتكررة، بل أصبحت لحظة كاشفة بل ومُلزِمة، لقد وضعت الجميع مواطنين، نخباً، وقوى سياسية أمام حقيقة واحدة : استمرار الدولة بالشكل القديم لم يعد ممكناً. السؤال اليوم لم يعد نظرياً : هل نحتاج نصوصاً جديدة؟ بل عملياً : هل نملك الشجاعة لتنفيذ ما نعرفه مسبقاً؟
الحرب، بكل خساراتها في الأرواح والأموال، كشفت أن أزمة السودان ليست في غياب الرؤى، بل في تعطيلها المتعمد ، ما جرى أثبت أن الدولة التي لا تحمي مواطنيها، ولا تحتكر السلاح، ولا توزع السلطة والثروة بعدالة، تتحول تلقائياً إلى ساحة صراع مفتوح. بهذا المعنى، لم تصنع الحرب الأزمة، بل عرّتها.
سياسياً، أثبتت الحرب أن موازين القوة غير المنضبطة أخطر من أي خلاف دستوري، النصوص التي تحدثت عن الحكم المدني، وإصلاح القطاع الأمني، واللامركزية، ظلت مؤجلة حتى انفجرت الدولة نفسها. الدرس واضح : تأجيل القضايا الجوهرية لا يصنع استقراراً، بل يراكم الانفجار.
اجتماعياً ونفسياً، دفعت الحرب ثمناً باهظاً. ملايين فقدوا الأمان، والانتماء، والثقة في الدولة، هذه الخسارة لا يمكن تعويضها بخطاب عاطفي، بل بإجراءات ملموسة تعيد للمواطن إحساسه بأن الدولة موجودة من أجله، لا فوقه أو ضده، هنا تصبح المواطنة المتساوية ضرورة علاجية، لا شعاراً سياسياً.
اقتصادياً، دمّرت الحرب ما تبقى من مقدرات البلاد، وهذا الدمار نفسه يجب أن يكون حجة قاطعة لتنفيذ مبدأ التنمية المتوازنة، لا العودة إلى مركزية أعادت إنتاج الفقر والتهميش، إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح دون عدالة في توزيع الموارد، وإشراك حقيقي للأقاليم في القرار.
أما العدالة الانتقالية، فقد جعلتها الحرب أمراً لا مفر منه. تجاهلها بعد كل هذا الدم لن يعني التسامح، بل تكريس الإفلات من العقاب وتهيئة الأرض لحرب جديدة. العدالة هنا ليست انتقاماً، بل ضمانة لعدم التكرار.
والدرس الأخطر الذي فرضته الحرب هو أن السلاح خارج الدولة يعني دولة خارج السيطرة ،بناء جيش وطني مهني واحد لم يعد مطلب نخبة سياسية، بل شرط بقاء السودان نفسه، أي تسوية تتجاوز هذه الحقيقة ستكون مجرد هدنة مؤقتة.
الخلاصة أن الحرب، رغم قسوتها، منحت السودان فرصة أخيرة للتعلم، إما أن تُستثمر هذه التجربة المؤلمة كدافع لتنفيذ ما ظل معلقاً من مبادئ المواطنة، والعدالة، واللامركزية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، أو يُعاد إنتاج الأزمة نفسها بثمن أفدح.
—–
رئيس الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة
قائد قوات الأورطة الشرقية



