محلية
أخر الأخبار

مجلس الأمن أمام أدلة دامغة: التمرد في السودان من نزاع مسلح إلى جرائم ضد المدنيين

السفير.د.معاوية البخاري

لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة بشأن السودان جلسة إجرائية عابرة، بل مثّلت لحظة مفصلية في مسار التعاطي الدولي مع الحرب التي تقترب من عامها الثالث. بعد أن قدّمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إحاطة كشفت عن تطور نوعي في الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها التمرد بحق المدنيين، لا سيما في دارفور، وفي مقدمتها الفاشر والجنينة.وهذا يتسق مع القرار ١٥٩١ الذي جعل ولاية المجلس على دارفور تحديدا رغم أن الانتهاكات والجرائم الان طالت معظم ولايات السودان!؟

الإحاطة، التي استندت إلى شهادات مباشرة، وصور أقمار صناعية، وتحليل أنماط العنف، أكدت أن ما يجري لم يعد مجرد آثار جانبية لصراع مسلح، بل نمط ممنهج من الجرائم يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريف الوارد في نظام روما الأساسي.

أدلة تتجاوز الشبهة إلى الترجيح القانوني

أبرز ما ميّز الإحاطة هو الانتقال من توصيف عام للانتهاكات إلى بناء سردية جنائية مترابطة:

قتل جماعي للمدنيين، تهجير قسري على أساس عرقي، عنف جنسي واسع النطاق، وتدمير متعمد للأحياء السكنية. هذه الوقائع، وحتى التبييض الإعلامي في حالة أسكاي نيوز العربية في تحريف التعابير والمصطلحات، بحسب مكتب الادعاء، لم تكن معزولة أو آنية، بل تكررت من مدينة إلى أخرى، بما يشير إلى سياسة عنف منظمة استخدمها التمرد كأداة للسيطرة والإخضاع. وهذا ايضا يتسق مع ما أورده المفوض العام لحقوق الإنسان في زيارته الأخيرة للسودان.

الأهم أن المحكمة لم تعد تعتمد فقط على إفادات الضحايا، بل دعّمتها بأدلة تقنية حديثة، ما يعزز موثوقية الإثبات، ويقوّي فرص الانتقال إلى تسمية متورطين وقادة الي مرحلة مذكرات التوقيف بدل الاكتفاء بالتحقيق المفتوح.

مجلس الأمن: بين الاعتراف والعجز

تفاعل مجلس الأمن مع الإحاطة عكس مفارقة مألوفة: إجماع أخلاقي على فداحة الجرائم، مقابل تردد سياسي أقرب للتواطؤ في تفعيل أدوات الردع. فبينما طالبت عدة دول بتسريع المساءلة ومحاسبة الجناة، ظلّ المجلس أسير حسابات التوازنات الدولية، دون قرارات ملزمة توقف الجرائم أو تحمي المدنيين فوراً.وهذا يعكس التقاعس الدولي والتباطؤ من قبل المحكمة والصمت الاقليمي وحرية المجرم مقابل ما جري في العام ٢٠٠٣ بدارفور مع فارق الوقائع والدواعي والمسببات.

في المقابل، شدد ممثل السودان على أن استمرار الإفلات من العقاب هو الوقود الحقيقي للحرب، وتحفيز التمرد ، مطالبًا بتسريع إجراءات المحكمة، وتوسيع دائرة الملاحقة لتشمل القادة الميدانيين والداعمين الخارجيين للتمرد وكل من له صلة بتاجيج الحرب.

التمرد وسقوط سردية “الصراع المتكافئ”

الإحاطة أسقطت عمليًا الخطاب الذي يحاول تصوير الحرب كصراع عسكري متكافئ بين طرفين، وأعادت توصيفها كحالة اعتداء مباشر على السكان المدنيين والضحايا . فالتمرد، وفق الوقائع المعروضة، لم يكتفِ بمواجهة القوات النظامية، بل جعل من المدنيين هدفًا مركزيًا، سواء بالقتل أو التهجير والحصار والتجويع والابتزاز أو استخدامهم دروعًا بشرية.

هذا التحول في التوصيف القانوني والسياسي يضع التمرد في مواجهة مباشرة مع منظومة العدالة الدولية، ويضيّق هامش المناورة أمام أي محاولات لتبييض جرائمه أو إدخاله في مسارات سياسية دون مساءلة.

ما بعد الجلسة: ماذا تغيّر؟

عمليًا، تمثل جلسة مجلس الأمن الأخيرة نقطة تراكم لا نقطة نهاية. فالأدلة التي كُشفت ترفع سقف التوقعات بشأن خطوات المحكمة الجنائية الدولية، وتمنح ملف الضحايا دفعة جديدة نحو العدالة. لكنها في الوقت ذاته تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي:

إما ترجمة هذا الوضوح الأخلاقي إلى أفعال رادعة، أو القبول الضمني باستمرار الجرائم تحت غطاء البيانات.

الرقابة والضغط الدولي على التمرد

الانتهاكات التي ارتكبها التمرد في دارفور خاصة في الجنينة والفاشر تضعه تحت مراقبة دولية وقانونية مشددة. من المتوقع أن تواصل المحكمة الجنائية الدولية التحقيقات، وربما تصدر مذكرات توقيف أو استدعاءات استنادًا إلى الأدلة الميدانية والأقمار الصناعية وشهادات الناجين. في الوقت نفسه، وقد تصعد الدول والمنظمات الدولية الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، وربط أي تعامل أو مساعدات بمسار المحاسبة.

لكن التنفيذ العملي يواجه تحديات: سيطرة المجموعات المسلحة على مناطق واسعة، وصعوبة الوصول، يكمله التعاون الحكومي عملا بمبدأ التكاملية، حتي لا يتيح إفلاتًا جزئيًا من العقاب في المدى القصير. ومع ذلك، فإن الإدانة القانونية، وتكلفة السمعة، والعقوبات المستهدفة تضمن ألا يعمل قادة التمرد دون عواقب، حتى لو تأخرت المحاكمات، والرسالة واضحة: أي انتهاكات مستمرة ستقابل بعواقب قانونية ودولية، مما يؤثر على حسابات المتمردين والأمن الإقليمي ومناطق حركة التمرد حدوديا.

خلاصة

ما جرى في مجلس الأمن يؤكد أن حقيقة الجرائم في السودان باتت واضحة، وملف التمرد لم يعد قابلاً للالتباس أو التأجيل. السؤال لم يعد: هل ارتُكبت انتهاكات؟ بل: متى وكيف ستُفعَّل العدالة الدولية ويعلو صوت الضحايا لا المجرم والمعتدي؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال، يتحدد ليس فقط مصير الضحايا، بل مصداقية النظام الدولي نفسه، وانسانية العدالة امام التسييس والانتقائية والتبييض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى