مقالات الرأي
أخر الأخبار

الأخوان المسلمون في السودان.. “السيف والجلاد ينتظران”!

 

صباح أحمد

▪️مجرد تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين ككيان إرهابي يُعد قراراً مُقيِّداً ومُعيقاً، أشبه بسيفٍ مسنون مُسلَّط على الرقاب إن اقتربت من السيف ووضعت رقبتك تحته قُطعت فوراً، وإن ابتعدت عنه فلن تُقطع رقبتك الآن، لكنها ستظل مهددة في أي لحظة، بحسب قرار صاحب السيف ومتى شاء تحريكه إذا اقتضت الظروف.

خطورة هذا القرار وقوته تكمن في أنه غير محدد، ومفتوح وفضفاض، ويُطبَّق بحسب الحالة. والقرارات من هذا النوع غالباً ما تكون خاضعة للتطورات السياسية صعوداً وهبوطاً، ومرتبطة بالمستجدات لذلك فإن المستهدف بالقرار يعيش حالة طويلة من الانكماش والكمون، مصحوبة بقلق وترقب دائمين، وانتظار مفتوح المدى، يتوقع فيه حدوث أي إجراء في أي لحظة.

في مثل هذا الوضع لا يكون واضحاً.. هل ستفلت من القرار أم لا؟!

وبالطبع فإن هذا الغموض يخلق حالة من الارتباك وعدم الاستقرار، ويؤدي إلى شل الحركة وتقييدها، وإرباك الحسابات.

لكن الإشكال الأكبر بالنسبة لك هو.. كيف ستتعامل مع قرار كهذا؟!

الإشكال الآخر يتمثل في كثرة التفسيرات التي صدرت من الجهات المعنية خلال الأيام الماضية وهذه التفسيرات المتعددة والمتباينة ليست بالضرورة عفوية، بل قد تكون مطلوبة ومقصودة، خاصة عندما تصدر من أكثر من جهة دون اتفاق بينها. فمثل هذا التباين يمنح صاحب القرار فرصة لقياس الاتجاهات المختلفة، والتعرف على ردود الأفعال واختبارها:

هل ستكون هناك مقاومة ومواجهة مباشرة؟!

أم انحناء للعاصفة وتراجع مؤقت!

أم تفكير عميق ودراسة وتخطيط؟!

وهل توجد أصلاً مساحات للتخطيط والدراسة والتقييم..أين وكيف ومتى؟!

أم سيكون الأمر مجرد تهييج وتحشيد وانفعال؟!

كيف ستدافع عن نفسك؟!

هل عبر الخطب والمنابر؟!

أم عبر الحشد والتظاهرات والمسيرات التي قد تنطلق من المساجد عقب صلوات الجمعة؟!

أم عبر الندوات والمحاضرات في الساحات العامة والمراكز؟!

أم من خلال البيانات والمنشورات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي؟!

وهل ستكون هذه الحملات منظمة ومستمرة، أم متقطعة وموسمية؟!

وهل سيكون النشاط سرياً وخفياً، أم علنياً على السطح أمام الملأ، في ظل هذه الظروف المشحونة والمتأزمة؟!

وما هي مساحات الحركة وحدودها.. وهل ستتقاطع أو تتداخل مع مساحات أخرى؟!..أم سيكون الخيار هو الصمت، واتخاذ موقع دفاعي والتخفي تحت الأرض؟!

▪️السؤال الآخر.. كيف ستنفذ واشنطن هذا القرار؟!.. وما الأدوات والآليات التي ستستخدمها ليصبح القرار نافذاً على أرض الواقع؟!

لكن قبل الحديث عن كيفية تنفيذ القرار وآثاره النفسية والمعنوية وتبعاته المحتملة، من المفيد أن نعود قليلاً إلى التجارب السابقة لنرى كيف تعاملت الجهات الرسمية والحكومات مع الإخوان المسلمين.

ففي أعقاب المفاصلة الشهيرة بين جناحي البشير والترابي ــ أو ما عُرف وقتها بصراع القصر والمنشية، أو المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي المعارض ــ حدثت تحولات كبيرة في خارطة التحالفات. وصلت تلك التحولات إلى حد إعتقال العقل المدبر ومؤسس نظام الإنقاذ نفسه، حسن الترابي، فضلاً عن عدد من تلامذته الذين طالتهم الاعتقالات والملاحقات الأمنية والتضييق والتجريد من المناصب والإبعاد من المواقع.

بل وصل الأمر أحياناً إلى الطرد من المنازل وإلقاء الأثاث في الطريق العام..

ولماذا نذهب بعيداً؟!.. فصلاح قوش، الذي كان يوماً مسؤولاً عن الاعتقالات، وجد نفسه لاحقاً معتقلاً ونزيلاً في السجن.

وفي العهد القريب صودرت ممتلكات المؤتمر الوطني وأصوله، وجُمِّدت حساباته المصرفية، وقُيِّد نشاطه السياسي.. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد توفي الشريف أحمد عمر بدر داخل المعتقل، كما توفي الأمين العام للحركة الإسلامية الزبير أحمد الحسن داخل المعتقل أيضاً.

▪️بناءً على ذلك، فإن ما حدث في السابق ليس مستبعداً أن يتكرر مرة أخرى، خاصة مع وجود عامل إضافي جديد يتمثل في القرار الأمريكي بتصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، وهو ما يزيد من دوافع اتخاذ خطوات مشابهة.

هناك عامل آخر يتمثل في الموقف الرسمي للحكومة السودانية من إيران، التي وُصفت بدولة معتدية، إلى جانب التضامن مع دول الخليج العربي في مواجهة ما يُسمى بالعدوان الإيراني وهذا قد يدفع الأمور في اتجاهات جديدة، فليس مستبعداً أن تتخذ الحكومة السودانية خطوات عملية بقطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع إيران.

وقد حدث ذلك بالفعل من قبل، وتحديداً في عام 2014م، عندما قُطعت العلاقات الدبلوماسية مع طهران، وأُغلقت سفارتها في الخرطوم، وأُقفلت المستشارية الثقافية الإيرانية ومكاتبها في مختلف مدن البلاد، وطُرد السفير الإيراني من الخرطوم، كما سُحب سفير السودان من طهران؛ وشملت الإجراءات أيضاً إغلاق الحسينيات وإيقاف الأنشطة المرتبطة بالدعوة للتشيع. ومن اللافت أن ذلك حدث حين كان علي كرتي وزيراً للخارجية.

لذلك فإن تكرار سيناريو مشابه ليس أمراً مستبعداً.

▪️ولإكمال الصورة، يمكن إجراء مسح سريع لوضع المجموعات المرتبطة بالحركة الإسلامية، سواء داخل السودان أو خارجه. فالمجموعة الموجودة في تركيا، على سبيل المثال، ستكون مضطرة للالتزام بقوانين الدولة المضيفة، ولن تستطيع تجاوزها أو اتخاذ خطوات قد تضر بوضعها القانوني هناك. وينطبق الأمر ذاته على الموجودين في مصر وقطر.

أما داخل السودان، فإن القرار الأمريكي بتصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية يُضعف أدوات النفوذ والتأثير لدى الفاعلين المرتبطين بهم، مما يجعل القوة الحقيقية المتبقية هي المؤسسة العسكرية، باعتبارها القوة المنظمة والمعترف بها رسمياً في غالب دول الجوار وعلى المستوى الإقليمي والدولي.

وبهذا المعنى، فإن القرار الأمريكي وضع البرهان في موقع أكثر راحة، ومنحه _على الأقل في هذه المرحلة _ قدراً من الحصانة السياسية، مع تقليل المخاوف والهواجس التي كانت قائمة سابقاً.. لذلك يصبح سيناريو الانقلاب عليه أقل احتمالاً، إذ إن أي محاولة من هذا النوع لن تجد دعماً، وسيكون الحسم في النهاية للبندقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى