مقالات الرأي
أخر الأخبار

تسريبات

إذا صحت التسريبات المتداولة حول اتجاه الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى استقطاب شخصية سياسية ذات وزن وعلاقات واسعة ضمن دائرته الاستشارية، فإن ذلك يعكس إدراكًا متأخرًا لكنه مهم لطبيعة الخلل في بنية السلطة الانتقالية خلال المرحلة الماضية. فالمعضلة لم تكن يومًا في غياب القوة العسكرية، بل في غياب الإسناد السياسي والدبلوماسي القادر على توظيف هذه القوة ضمن رؤية متكاملة تخاطب الداخل والخارج معًا.

لقد أظهرت التجربة أن التفوق العسكري، مهما بلغ، يظل محدود الأثر ما لم يُدعّم بشرعية سياسية وخطاب دبلوماسي متوازن. وفي الحالة السودانية، ظل هذا الجانب ضعيفًا، حيث لم تنجح الحكومات المتعاقبة، بما في ذلك حكومة كامل إدريس، في سد هذا الفراغ أو تقديم نموذج قادر على بناء توافق سياسي واسع. كما أن الحركات المشاركة في السلطة لم تستطع أن تتجاوز حساباتها الضيقة لتلعب دورًا وطنيًا جامعًا.

في هذا السياق، يبرز اسم د.أمجد فريد كأحد الخيارات التي قد تضيف قيمة نوعية، إذا ما أُحسن توظيفها. فالرجل يمتلك خلفية سياسية وفكرية، مع ميل يساري يمنحه قدرة على التواصل مع طيف واسع من القوى المدنية، كما أن تجربته السابقة كمستشار في حكومة عبد الله حمدوك أكسبته معرفة بتعقيدات العمل التنفيذي وعلاقات جيدة مع الفاعلين الدوليين، خاصة في الغرب.

إلى جانب ذلك، يُحسب له انخراطه المبكر في الحراك السياسي الذي أسهم في إعادة تشكيل المشهد السوداني عقب ثورة 2019م، ما يمنحه قدرًا من القبول لدى قطاعات من الشباب والقوى الثورية. كما أن شبكة علاقاته الممتدة داخل مختلف التيارات السياسية من اليمين إلى اليسار قد تساعد في خلق جسور تواصل تفتقدها الحكومة الحالية.

غير أن نجاح هذه الخطوة، إن تمت، لن يتوقف على الشخص وحده، بل على البيئة التي سيعمل فيها. فالتجارب السابقة تشير إلى أن استيعاب الكفاءات دون منحها مساحة حقيقية للتأثير لا يحقق النتائج المرجوة.

ظل استمرار الاعتماد على مجموعات ظلت مرتبطة بمراكز القرار منذ أواخر عهد عمر البشير، دون تقديم إضافة نوعية، يمثل أحد معوقات الإصلاح السياسى.

إن أي تحول جاد في إدارة المرحلة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين العسكري والسياسي، بحيث يكون التكامل لا التبعية هو الأساس. كما يستلزم الانفتاح على مزيد من كفاءات قادرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح، وفي الوقت نفسه بناء توافق داخلي يعيد الثقة في مؤسسات الدولة.

في المحصلة، قد تمثل هذه الخطوة – إن صدقت – بداية لإعادة التوازن المفقود، لكنها تظل مرهونة بمدى جدية الإرادة السياسية في إحداث تغيير حقيقي، يتجاوز مجرد إعادة تدوير الوجوه إلى بناء مشروع وطني جامع.

—-

* أمية يوسف حسن أبوفداية

* باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي

١٧ مارس 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى