مقالات الرأي
أخر الأخبار

الحرب الثلاثية بين التهدئة القسرية والتصعيد المنضبط وفرص الدبلوماسية!؟

السفير.د.معاوية البخاري

 

تشهد المنطقة لحظة مفصلية تتجاوز كونها مجرد جولة تصعيد عابرة، لتتحول إلى اختبار حقيقي لحدود القوة وخيارات السياسة. ففي الوقت الذي تميل فيه إدارة دونالد ترامب إلى إعادة فتح نافذة للحلول الدبلوماسية مدفوعة بحسابات الكلفة، وضغوط الداخل ومنطقة الشرق الأوسط ، ومخاوف الانزلاق إلى حرب مفتوحة تتجه إسرائيل في مسار معاكس، قائم على تعظيم الضغط العسكري ورفض منح ايران وامتداداتها، وعلى رأسها حزب الله، أي فرصة لالتقاط الأنفاس.

هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في التكتيك، بل يكشف عن فجوة في تقدير اللحظة الاستراتيجية: واشنطن ترى أن كلفة الحسم العسكري تتجاوز عوائده، وأن إدارة الصراع عبر الدبلوماسية أقل مخاطرة، بينما تعتقد تل أبيب أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة نادرة لإعادة تشكيل ميزان الردع في الإقليم، وأن أي تراجع الآن قد يُفضي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد. وبين هذين المنظورين، تتأرجح المنطقة على وقع معادلة دقيقة: دبلوماسية بلا ضمانات، وتصعيد بلا سقوف واضحة.

ويبدو أن التوجه الذي عبّر عنه ترامب نحو تقليص وتيرة الانخراط العسكري لم يعد مجرد خيار تكتيكي عابر، بل تحول إلى إعادة تموضع استراتيجية تحكمها ثلاثة اعتبارات رئيسية:

1. تآكل جدوى الضربات المحدودة في تغيير السلوك الإيراني.

2. تزايد الكلفة الاقتصادية والأمنية على الحلفاء، خاصة في الخليج والعالم اجمع .

3. الخشية من الانزلاق غير المحسوب إلى مواجهة إقليمية شاملة.

لكن هذا “التراجع” لا يعني انسحابًا، بل أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار، حيث تفسح واشنطن المجال أمام حلفائها وفي مقدمتهم إسرائيل لمواصلة الضغط العسكري ضمن سقوف غير معلنة، ولكن نتائج الحرب ستحمل أطرافها على غير ما يشتهون .

 

إسرائيل واستراتيجية “منع إعادة التموضع”

على عكس الحذر الأمريكي، تمضي إسرائيل في تكثيف عملياتها، انطلاقًا من قناعة بأن أي توقف الآن يمنح إيران فرصة لإعادة بناء شبكاتها الإقليمية. وتتركز هذه الاستراتيجية في:

• استهداف البنية اللوجستية المرتبطة بـ حزب الله

• توسيع بنك الأهداف ليشمل الممرات الحيوية مثل نهر الليطاني.

• رفع كلفة التمركز الإيراني غير المباشر في أكثر من ساحة

غير أن هذا المسار، رغم فعاليته التكتيكية، يرفع من احتمالات الاحتكاك المباشر، خاصة في ظل تزايد المؤشرات على استعداد أطراف محور المقاومة لتوسيع نطاق الرد.

الخليج: من القلق إلى البحث عن بدائل أمنية

في المقابل، انتقلت دول الخليج من مرحلة القلق إلى مرحلة إعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي، مدفوعة بعدة عوامل:

• استمرار التهديدات للممرات الحيوية (هرمز – باب المندب)

• ارتفاع تكاليف التأمين والشحن

• محدودية فعالية الحماية الدولية في لحظات الذروة.

هذا الواقع يعزز النقاش حول:

• بناء ترتيبات أمن جماعي إقليمي

• تقليل الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية

• الانفتاح على صيغ توازن جديدة تشمل قوى إقليمية مثل باكستان وتركيا ومصر .

إيران: امتصاص الضغط أم إعادة التموضع؟

حتى الآن، تواصل إيران اعتماد سياسة “الصبر الاستراتيجي النشط”، والتي تقوم على:

• تجنب المواجهة المباشرة واسعة النطاق

• الرد غير المتناظر عبر الحلفاء

• الحفاظ على خطوط النفوذ الحيوية

لكن الجديد في المرحلة الراهنة هو أن طهران باتت تواجه ضغطًا مركبًا:

• عسكريًا من إسرائيل

• سياسيًا من المحيط الإقليمي

• اقتصاديًا وأمني داخليًا

ورغم ذلك، لا تزال مؤشرات التغيير الجذري في بنية النظام محدودة، ما يرجح استمرار سياسة التكيف بدل التحول.

هل تعود الدبلوماسية؟

اللافت في التطورات الأخيرة هو عودة القنوات الخلفية للتحرك، وإن بشكل حذر او تبادل رسائل بطريقة غير مباشرة. فالتجربة السابقة كما في الاتفاق النووي تُظهر أن واشنطن قد تلجأ إلى التفاوض عندما تصل كلفة التصعيد إلى سقف غير مقبول.

لكن هذه المرة، تواجه الدبلوماسية تحديات أعقد:

• تآكل الثقة بين الأطراف

• تعدد الفاعلين غير الدوليين

• تشابك الملفات (النووي، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، ومضيق هرمز )

لذلك، فإن أي عودة للمسار التفاوضي ستكون على الأرجح:

• جزئية ومحدودة

• مرتبطة بملفات محددة (كأمن الملاحة) كحالة اكثر ضغطا على الوضع الدولي

• وليست تسوية شاملة

سيناريوهات المرحلة القادمة

يمكن تلخيص المسارات المحتملة في ثلاث سيناريوهات رئيسية:

1. التهدئة المشروطة

• استمرار الضربات المحدودة

• ضبط إيقاع الردود

• تفعيل قنوات دبلوماسية غير معلنة

2. التصعيد المحسوب

• توسيع بنك الأهداف

• ضربات نوعية متبادلة

• دون الانزلاق إلى حرب شاملة

3. الانفجار الإقليمي

• نتيجة خطأ في الحسابات أو ضربة كبيرة

• دخول أطراف متعددة بشكل مباشر

• تهديد فعلي لخطوط الطاقة العالمية

 

الخلاصة: لا حسم قريب… بل إدارة صراع طويل وافق دبلوماسي

 

ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن المنطقة لا تقترب من “لحظة حسم” بقدر ما تدخل في مرحلة إدارة صراع طويل الأمد، حيث:

• لا تستطيع الولايات المتحدة فرض تسوية نهائية

• ولا تملك إسرائيل حسمًا عسكريًا كاملًا

• فيما تواصل ايران سياسة الاستنزاف الذكي

وبين هذا وذاك، تظل الدبلوماسية خيارًا مطروحًا، لكنها ليست بديلاً للصراع، بل أداة لإدارته وحفظ التوازنات والمصالح.

أما الحقيقة الأكثر ثباتًا، فهي أن الإقليم بات يعيش في منطقة رمادية ممتدة: لا حرب شاملة، ولا سلام مستقر، بل توازن هش، قابل للاهتزاز في أي لحظة

في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم قريب بقدر ما تنزلق إلى مرحلة شدٍّ استراتيجي طويل الأمد، تتعايش فيها مسارات متناقضة دون أن تُلغي إحداها الأخرى. فبينما تدفع أمريكا نحو إحياء مسار دبلوماسي وإن كان جزئيًا ومحدودًا تمضي إسرائيل في ترسيخ معادلة مغايرة، قوامها استمرار الضربات الاستباقية ومنع إيران وحلفائها من إعادة التموضع.

هذا التباين يضع الإقليم أمام مفترق بالغ الحساسية: فإما أن تنجح الدبلوماسية التي تقودها دول الخليج بشراكة باكستان وتركيا ومصر في فرض إيقاع يحدّ من الانزلاق، دون أن يوقف جذور الصراع، أو أن يفرض الميدان منطقه، بما يحمله من احتمالات توسع غير محسوب. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأبرز أن غياب التوافق بين الحليفين الرئيسيين لا يفتح فقط هامشًا للمناورة، بل يضاعف أيضًا من مخاطر سوء التقدير.

وعليه، فإن مستقبل المرحلة لن يتحدد فقط بما تريده العواصم الكبرى، بل بقدرة هذه الأطراف على إدارة هذا التناقض دون أن يتحول إلى شرارة انفجار أوسع. فالدبلوماسية هنا ليست نقيضًا للحرب، بل قد تكون محاولة متأخرة لتأجيلها فيما يظل السؤال مفتوحًا: إلى متى يمكن تأجيل ما لم تُحسم أسبابه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى