مقالات الرأي
أخر الأخبار

التسوية القادمة للحرب الثلاثية: بين قانونٍ مُعطَّل وقوةٍ فائضة ودبلوماسيةٍ تديرها الظلال!؟

السفير.د.معاوية البخاري

 

لم تعد الحرب الثلاثية، مع دخولها شهرها الأول، مجرد اختبارٍ لتوازنات القوة العسكرية، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لاختلالٍ أعمق في بنية النظام الدولي نفسه؛ حيث تتراجع فاعلية المواثيق الدولية وآليات إنفاذ القانون الدولي، لصالح منطق القوة المفرطة، والدبلوماسية غير المباشرة التي تُدار خلف الكواليس. وفي هذا المشهد، لا يبدو أن الأطراف المنخرطة في الصراع تُعير كبير اعتبارٍ للمنظومة القانونية الدولية ومعايرة آلياتها، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية الأعيان المدنية والبنية التحتية، التي أصبحت ساحةً مفتوحة للرسائل العسكرية المتبادلة.

أولاً: القانون الدولي بين النص والتعطيل

تُظهر مجريات الحرب أن الالتزام بالقانون الدولي لم يعد محددًا حاكمًا للسلوك العسكري، بل أداةً انتقائية تُستخدم حين تخدم السردية السياسية. فاستهداف البنية التحتية المدنية، والضغط على الحواضن الاجتماعية، لم يعد استثناءً، بل جزءًا من استراتيجية كسر الإرادة. ومع غياب آليات ردع فعالة، أو توافق دولي على خطوط حمراء ملزمة، يتآكل ما تبقى من هيبة النظام القانوني الدولي، ليُستبدل بمنطق “إدارة المخاطر” بدلًا من “منع الانتهاكات” وتقف المؤسسة الدولية عاجزة.

ثانيًا: مضيق هرمز… ورقة الضغط المؤجلة

في قلب هذا التصعيد، يظل مضيق هرمز أحد أهم محددات سقف الحرب والتسوية معًا. فتهديد الملاحة الدولية، أو حتى التلويح به، يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية ذات تأثير عالمي، نظرًا لارتباطه بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. غير أن استخدام هذه الورقة بشكل كامل يبقى خيارًا عالي الكلفة، قد يدفع إلى تدخلات دولية أوسع، وهو ما يجعلها أداة ردع أكثر من كونها خيارًا عمليًا في هذه المرحلة. وهو أضحى محط تباعد بين أمريكا واوربا والناتو على حد سواء. وهنالك تلويحا بإدخال باب المندب في المعادلة.

ثالثًا: التصعيد بلا تنازلات…واستراتيجية كسر الإرادة

المشهد الراهن يتسم بتصعيدٍ متبادل دون استعدادٍ واضح لتقديم تنازلات. كل طرف يسعى إلى تثبيت روايته للانتصار وتحقيق أهدافه، أو على الأقل تجنب صورة الهزيمة. في هذا السياق، تتقدم استراتيجية “كسر الإرادة” على حساب الحسم العسكري المباشر، حيث يُراهن كل طرف على إنهاك خصمه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بدلًا من تحقيق نصرٍ سريع في الميدان.

رابعًا: التباين الأمريكي–الإسرائيلي… اختلاف في الأهداف لا في الوسائل

يبرز تباين ملحوظ بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي. فبينما تميل الولايات المتحدة إلى إدارة الصراع ضمن سقفٍ محسوب، يمنع الانزلاق إلى حربٍ إقليمية شاملة، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعًا نحو تعظيم مكاسبها العسكرية، خاصة بعد ما تعتبره “إنجازًا نوعيًا” في استهداف القدرات الإيرانية، في سياق صراع ممتد لأكثر من أربعة عقود. غير أن هذا التباين لا يصل إلى حد القطيعة، بل يُدار ضمن تفاهمٍ ضمني يوازن بين التصعيد والاحتواء والعداء التاريخيّ .

خامسًا: أين الشعب الإيراني من المعادلة؟

وسط هذا الصراع، يغيب الشعب الإيراني كفاعلٍ مباشر، لكنه يتحمل كلفةً مركبة: من العقوبات، إلى الضربات، إلى تراجع الاقتصاد. ومع ذلك، فإن استهداف البنية التحتية، أو توسيع دائرة الضغط، قد يعزز من تماسك الداخل بدلًا من تفكيكه، كما تشير تجارب سابقة. وفي المقابل، فإن توسيع إسرائيل لدائرة العداء لتشمل شعوبًا عربية وإسلامية، عبر استهدافات مباشرة أو غير مباشرة، يفتح جبهات رمزية وسياسية تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة.

سادسًا: وقف إطلاق النار… قرار أمريكي بغطاء دولي

من المرجح أن أي وقفٍ لإطلاق النار لن يكون نتاج تفاوضٍ مباشر بين الأطراف، بل نتيجة قرارٍ أمريكي يُفرض عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، ويُمنح غطاءً دوليًا لاحقًا. الأطراف ستقبل به تكتيكيًا، دون أن يعني ذلك نهاية الصراع، بل إعادة تموضع في جولةٍ جديدة. كما تبدو التصريحات المتناقضة فيما يتصل بالتفاوض.

سابعًا: جبهة لبنان… صراع مفتوح ومستقبل دولة مأزوم

في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار، ستظل جبهة لبنان مرشحة للاستمرار كمنطقة توتر دائم. فإسرائيل قد تسعى إلى تثبيت “منطقة عازلة” بحكم الأمر الواقع، أو فرض سيطرة نارية على جنوب الليطاني، دون القدرة على إنهاء حزب الله عسكريًا، وهو ما يعكس سوء تقدير متكرر لطبيعة هذا الفاعل وقدراته التي كشفتها الحرب .

هذا الواقع يضع لبنان أمام تحدٍ وجودي، حيث تتآكل سيادته بين الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، ويتحول الجنوب إلى ساحة اشتباك مفتوحة، تُقوّض فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتُبقي الدولة في حالة هشاشة مزمنة بحاجة الي شبكة أمان دولية.

خاتمة: تسوية مؤجلة أم هدنة مؤقتة؟

في ضوء هذه المعطيات، تبدو التسوية القادمة أقرب إلى “هدنة مُدارة” منها إلى حلٍ نهائي. فهي لن تُنهي أسباب الصراع، بل ستُعيد ترتيبها ضمن توازنات جديدة، تُبقي على جذوة التوتر قابلة للاشتعال في أي لحظة. وبين قانونٍ دولي عاجز، وقوةٍ مفرطة، ودبلوماسيةٍ تُدار في الظل، يظل السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام نهاية جولة، أم بداية طورٍ جديد من صراعٍ طويل يعيد تشكيل المنطقة بأكملها؟ هذا ما سيكشف طلاسمه خطاب الرئيس ترامب اليوم عن مجريات الحرب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى