
■خلونا في الصورة
■صباح أحمد
البيحصل لينا من بنك الخرطوم إلى شركات الاتصالات والكهرباء، بقى يتجاوز مجرد سوء الخدمة أو الأعطال العادية.. ويتحول لتعذيب نفسي وأذى معنوي وظلم وإحباط، يؤثر حتى على الحالة النفسية للزول.
أنت كصاحب خدمة، المفروض تقدم للعميل خدمة مريحة، وتسهّل ليه إجراءاته، وتحترم وقته وماله واحتياجاته.. لكن الحاصل عندنا العكس تماماً.
الكهرباء مثلاً.. ناس دفعوا ليك حق الخدمة مقدماً، واشتروا منك الكهرباء بقروشهم، وبعد داك تقوم تقطعها لساعات طويلة، وتعمل برمجة قطوعات تمتد لأكثر من نصف اليوم، وفي النهاية تدي الزول ساعات محدودة من الكهرباء.. مع إنو هو دافع حق الخدمة مقدماً!
ونفس الحكاية مع شركات الاتصالات. تشتري الشريحة، وتشحنها، وتدفع مقابل الرصيد والإنترنت، وبعد داك تلقى الشبكة ضعيفة أو الخدمة مقطوعة تماماً.. لا إرسال، لا استقبال، لا إنترنت.
الزول ببقى كأنو خرج من العالم.. لا معروف حي ولا ميت!
بتذكر بداية الحرب، لما كنا في الكلاكلة نعاني من رداءة الاتصالات وضعف الشبكات والإنترنت. وبعدها عشنا نفس المعاناة في الجزيرة، لكن بصورة أقسى؛ انقطعت الاتصالات والإنترنت، وبقينا فعلياً معزولين عن العالم.
في وقت كانت فيه آلة القتل شغالة على مدار اليوم والليلة، ولو كنت مضطر تطمّن أهلك عليك، تضطر تمشي مسافة طويلة حتى محل صيوان الاستارلينك التابع للدعم السريع، تسجل اسمك ورقم تلفونك وتدفع بالساعة، بس عشان تقدر تقول للناس: أنا حي.. أو أنا بخير.
والآن معاناتنا مع بنك الخرطوم.. والله ما عارفين نسميها شنو.. استهتار؟.. استخفاف؟.. حقارة؟! استنكاح؟! عدم احترام للعميل؟.. ولا شنو بالضبط؟
طالما فرضت علينا إنو التعامل يكون إلكتروني، وإنو التحويلات والمعاملات المالية تتم عبر التطبيق، خلي التطبيق يكون متاح ويشتغل بصورة مستقرة عشان الزول يقدر ينجز معاملاته!
لأنو ما معقول كل مرة تفتح التطبيق عشان تبدأ معاملتك، ما يشتغل معاك.. أو بعد ما تدخل وتطبظ شوية، تظهر ليك الرسالة المحفوظة:
“عذراً! لا يمكننا إتمام طلبك حالياً. الرجاء المحاولة مرة أخرى.”
طيب أعمل شنو؟
أكون اشتريت حاجاتي والزول واقف منتظر أحوّل ليه، التطبيق ما شغال.. أدخل في حرج وأضطر أرجع الحاجات لصاحبها.
أركب ركشة، أجي أحاسب السائق، التطبيق ما شغال.
أحتاج قروش لظرف طارئ، وما عندي كاش، والتطبيق ما بيفتح.
طيب المواطن يعمل شنو؟!
والمشكلة إنو الحكاية دي ما يوم ولا يومين.. دي بقت شهور، ولسه ما عارفين حتنتهي متين!
وسبحان الله.. المشكلة الحقيقية ما بس في تعطل الكهرباء أو الإنترنت أو التطبيقات.. المشكلة الأكبر إنك كعميل ما عندك أي خيار حقيقي تواجه بيه مقدم الخدمة.
ما عندك بديل للكهرباء..
وما عندك بديل للخدمة المصرفية في اللحظة المحتاج فيها قروشك.
وما عندك ضمان إنو الاتصالات حتكون متاحة وقت احتياجك ليها.
وبالتالي بتُفرض عليك سياسة الأمر الواقع..
الكهرباء قاطعة؟.. تتحمل بس.
بنكك ما شغال؟.. تتحمل بس.
الإنترنت ضعيف أو مقطوع؟.. تصبر بس.
الاتصالات ما شغالة؟.. تتحمل بس.
ترضى ولا تزعل.. دي مشكلتك إنت، ما مشكلتهم هم!
وهنا يبرز السؤال المهم.. منو البحاسب مقدم الخدمة لما يقصر في حق العميل؟! ومنو البيدافع عن المواطن لما يدفع قروشه مقدماً، وفي النهاية ما يلقى الخدمة البيدفع عشانها؟!
الموضوع في النهاية ما موضوع كهرباء قطعت، أو شبكة ضعفت، أو تطبيق مصرفي تعطل.. الموضوع أكبر من كدا. الموضوع متعلق بثقافة تقديم الخدمة واحترام المواطن الذي يدفع مقابلها.
المواطن لما يدفع قيمة خدمة، ما بيدفع عشان يتفضلوا عليه.. هو بيدفع مقابل حق من حقوقه، ومن الطبيعي أن يجد خدمة بالمستوى الذي دُفع ثمنه، وأن يجد تفسيراً واضحاً عند تعطلها، وحلولاً حقيقية عندما تتكرر المشكلة.
أما أن يدفع المواطن مقدماً، ثم يتحمل الانقطاع والتعطل والانتظار والحرج، وفي النهاية يُطلب منه فقط أن يصبر ويتحمل.. فهنا الخلل ما بقى في الخدمة وحدها، الخلل بقى في طريقة التعامل مع المواطن نفسه.
المواطن ما مفروض يكون الحلقة الأضعف دائماً.. وما مفروض يتحول من عميل دافع حق الخدمة إلى رهينة عند مقدمها.
لا يملك من أمره شيئاً سوى الانتظار والتحمل.
وعندما يصبح المواطن بلا خيار ولا بديل، يصبح “عاجبك.. ما عاجبك احلق حاجبك” هو القانون!
فإلى متى يستمر التعامل مع المواطن بهذه العقلية: “دا الحال، وأعلى ما في خيلك اركبه”؟!



