مقالات الرأي
أخر الأخبار

من هرمز إلى باب المندب: هل تتشكل منظومة أمن جماعي جديدة للبحر الأحمر والقرن الأفريقي!؟

السفير.د.معاوية البخاري

 

مقاربة استراتيجية في ضوء التحالف البحري السعودي، والحلف السعودي–التركي–الباكستاني، وقمة العلمين، وتطورات هرمز وباب المندب

 

لم تعد التحولات الأمنية التي يشهدها الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي مجرد سلسلة من الأزمات المتفرقة؛ فالتطورات المتلاحقة من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن خليج عدن إلى شرق أفريقيا، تكشف عن إعادة تشكيل تدريجية للخريطة الأمنية والسياسية للإقليم.

وإذا كان أمن الخليج لعقود طويلة يقوم بصورة أساسية على المظلة الأمنية للقوى الدولية الفاعلة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى رغبة متنامية لدى دول المنطقة في إعادة تعريف الأمن الإقليمي باعتباره مسؤولية جماعية للدول المعنية، وليس وظيفة حصرية للقوى الخارجية.

ولعل السؤال الأكثر أهمية الآن ليس: ماذا يحدث في البحر الأحمر أو الخليج؟ وإنما: إلى أي منظومة استراتيجية يقود تزامن هذه التحولات؟

 

من أمن الممرات إلى أمن إقليمي مترابط

في 30 يوليو الماضي، دعمت أربع عشرة دولة مبادرة سعودية لإنشاء تحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري، بهدف تعزيز أمن الملاحة وحماية طرق التجارة والطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وتضم المجموعة السعودية ومصر والسودان وجيبوتي والصومال واليمن وتركيا وباكستان وقطر والكويت والبحرين والأردن وبنغلاديش ونيجيريا. كما شاركت وفود عسكرية من 43 دولة والاتحاد الأوروبي في الاجتماع التأسيسي للمبادرة.

واللافت هنا ليس العدد فقط، وإنما الجغرافيا الاستراتيجية للتحالف؛ فهو يجمع دولاً خليجية، ودولاً عربية مطلة على البحر الأحمر، ودول القرن الأفريقي، وقوى إقليمية آسيوية، بما يجعل البحر الأحمر يتحول من ممر مائي إلى فضاء أمني مشترك يمتد من المحيط الهندي إلى قناة السويس بحكم المصلحة الاقتصادية المتشابكة.

والأهم أن المبادرة لا تتحدث فقط عن حماية السفن، وإنما عن تبادل المعلومات والاستخبارات، والتخطيط العملياتي، والتدريبات المشتركة، وتنسيق العمليات البحرية. وهذا يعني أن المسألة تتجاوز مفهوم الدوريات البحرية إلى بناء بنية تحتية للأمن الجماعي.

وهنا تكمن النقلة النوعية: الممر البحري لم يعد مجرد طريق للتجارة؛ بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي للدول المطلة عليه والمستفيدة منه، أخذاً بالتطورات بمضيق هرمز.

 

هرمز وباب المندب… معادلة واحدة

التصعيد الأمريكي–الإيراني حول مضيق هرمز أظهر بوضوح مدى هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام إغلاق أو تعطيل ممر بحري واحد.

لكن المفارقة أن الضغط على هرمز يدفع بالضرورة إلى إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لباب المندب.

فإذا كان هرمز يمثل البوابة الشرقية للطاقة الخليجية وسلاسل الامداد، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن ثم فإن السيطرة أو التأثير في أحدهما يمكن أن يعيد توزيع الأهمية الاستراتيجية للآخر.

وهذا ما يفسر لماذا أصبح البحر الأحمر جزءاً مباشراً من تداعيات الصراع الإيراني–الأمريكي الاسرائيلي. فالممر الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط يمر عبر منطقة شديدة الهشاشة سياسياً وعسكرياً، فيما تملك جماعة الحوثي قدرة فعلية على تهديد الملاحة في محيط باب المندب.

وتؤكد التطورات الأخيرة ذلك بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ تخوض القوات المدعومة سعودياً معارك لاستعادة مواقع استراتيجية حول باب المندب والساحل الغربي اليمني، بينما واصلت جماعة الحوثي عملياتها العسكرية ضد أهداف سعودية ومصالح مرتبطة بالملاحة والطاقة. مما يعزز الهدف بإخراج باب المندب من قبضة الحوثيين.

وهكذا أصبح لدينا، للمرة الأولى بهذه الدرجة من الوضوح، حزام جيوسياسي واحد من هرمز إلى باب المندب.

 

الحلف السعودي–التركي–الباكستاني: الطبقة العسكرية الجديدة

في أغسطس ٢٠٢٦م، جاءت خطوة أكثر عمقاً بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك بمكة المكرمة، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي في مجالات متعددة. وقد أجلت التوترات اللاحقة حقيقة واهمية هذا الحلف

ورغم تأكيد أنقرة أن الاتفاق ليس موجهاً ضد إيران أو أي دولة بعينها، فإن توقيته وسياقه الجغرافي يمنحانه دلالة تتجاوز النص القانوني المجرد.

فالسعودية تملك الموقع والموارد والعمق الاقتصادي، وتركيا تملك صناعة دفاعية متقدمة وقدرات جوية ومسيرات وخبرة عملياتية، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وخبرة طويلة في الدفاع عن الخليج والتعاون العسكري مع الرياض. ومن ثم فإن المعادلة الثلاثية تبدو أقرب إلى توزيع للأدوار الاستراتيجية:

 

السعودية: التمويل والموقع والعمق الاقتصادي.

تركيا: التكنولوجيا والصناعة الدفاعية والقدرات العملياتية.

باكستان: القوة البشرية والقدرات العسكرية والردع الاستراتيجي.

وقد انتقلت هذه الشراكة بالفعل من مستوى الاتفاق إلى مستوى الدعم العملي للسعودية في مواجهة التصعيد الحوثي، مع تقديم تركيا دعماً فنياً ودفاعياً واستخبارياً، بحسب تقارير حديثة لرويترز. وبذلك يمكن النظر إلى الحلف الثلاثي باعتباره النواة العسكرية الصلبة التي يمكن أن تتكامل مع الإطار البحري الأوسع المكون من 14 دولة.

 

قمة العلمين… البعد الأفريقي في المعادلة

لكن التطور الأكثر أهمية بالنسبة للسودان والقرن الأفريقي ربما جاء من اتجاه آخر.

ففي 4 أكتوبر الجاري، جمعت قمة العلمين الرباعية مصر والسودان وإريتريا والصومال، وأكدت الدول الأربع احترام السيادة والوحدة وسلامة الأراضي، ودعم المؤسسات الوطنية، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. والأهم أنها أكدت أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، إلى جانب تأكيد حرية الملاحة. هذه العبارة ليست تفصيلاً دبلوماسياً.إنها تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً لمستقبل البحر الأحمر:

البحر الأحمر ليس فراغاً أمنياً دولياً، وليس ساحة مفتوحة للقوى الخارجية، وإنما فضاء استراتيجي للدول الساحلية التي ينبغي أن يكون لها الدور الرئيسي في أمنه وإدارته.

وهذا يضع مصر والسودان وإريتريا والصومال وربما جيبوتي لاحقا، في موقع متقدم من أي منظومة أمن جماعي مستقبلية للبحر الأحمر.

 

السودان… من الهامش إلى قلب المعادلة

بالنسبة للسودان، تكمن أهمية هذه التحولات في أن موقعه الجغرافي لم يعد مجرد ميزة اقتصادية أو جيوسياسية، بل أصبح جزءاً من المعادلة الأمنية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

السودان يطل على البحر الأحمر، ويقع في قلب التداخل بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، ويتصل أمنه مباشرة بأمن مصر وإريتريا وجنوب السودان وتشاد وليبيا وإثيوبيا، فضلاً عن علاقته بالممرات البحرية السعودية واليمنية.ومن هنا فإن استقرار السودان لم يعد قضية داخلية فقط، كما أن الحرب المفروضة عليه من اكثر من ثلاثة اعوام، لا يمكن عزل تداعياتها عن أمن البحر الأحمر، والتطورات الحالية في منطقة القرن الأفريقي. ولعل مشاركة السودان في التحالف البحري متعدد الجنسيات، ثم مشاركته في قمة العلمين الرباعية، تكشف عن مسارين متوازيين:

مسار عربي–إسلامي أوسع تقوده السعودية، ومسار أفريقي–بحر أحمر تقوده الدول الساحلية نفسها.

والتحدي الحقيقي هو كيف يمكن الجمع بين المسارين في إطار واحد لا يجعل السودان مجرد ساحة تنافس، بل شريكاً في صياغة الأمن الإقليمي بأبعاده المتداخلة .

 

إثيوبيا… الحلقة التي لا يمكن تجاهلها

ثمة متغير آخر لا ينبغي أن يغيب عن أي تصور استراتيجي جديد، وهو إثيوبيا. فعودة التوتر في إقليم تيغراي، وتصاعد الحديث الإثيوبي عن ضرورة الوصول إلى البحر الأحمر، وتداخل ملف سد النهضة مع الأمن المصري والسوداني، كلها تجعل القرن الأفريقي مرشحاً ليكون أحد أهم مسارح التنافس الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

ومن هنا يمكن فهم إصرار قمة العلمين على مبدأ سيادة الدول الساحلية على البحر الأحمر، وعلى احترام القانون الدولي في الأنهار العابرة للحدود.

فالمعادلة الجديدة لا تتعلق بالموانئ والممرات البحرية وحدها؛ وإنما تتداخل فيها الموانئ والمياه والطاقة والأمن والغذاء والتجارة والحدود والسيادة الوطنية.وهذا يعني أن الأمن البحري لن يكون قابلاً للفصل عن الأمن البري.

 

إلى أين تتجه المنطقة؟

إذا جمعنا هذه التطورات معاً، فإننا أمام خمس طبقات متراكبة:

أولاً: طبقة الردع البحري

تحالف الدول الأربع عشرة لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

ثانياً: طبقة الردع العسكري

الحلف السعودي–التركي–الباكستاني باعتباره إطاراً دفاعياً أكثر صلابة.

ثالثاً: طبقة الأمن الساحلي الأفريقي

التنسيق المصري–السوداني–الإريتري–الصومالي حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

رابعاً: طبقة أمن الطاقة والممرات

إعادة ترتيب البدائل بعد أزمة هرمز، وربط الخليج بالبحر الأحمر والموانئ وخطوط الأنابيب وممرات التجارة، عبر اليات عملياتية ورقابية بتنسيق مشترك لأطراف هذه المعادلة .

خامساً: طبقة الأمن السياسي

الدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية ووحدة أراضيها ومؤسساتها في مواجهة ظاهرة الكيانات الموازية والميليشيات العابرة للحدود.

وهذه الطبقات الخمس قد تنتج، إذا استمرت وتطورت، بنية أمنية إقليمية جديدة من شأنها ان تؤمن سلامة المنطقة من أية تمظهرات .

 

من «تحالف» إلى «نظام أمني»؟

لكن هناك فارقاً مهماً بين إنشاء تحالفات متعددة وبين إنشاء نظام أمن جماعي حقيقي.

فالتحالفات الحالية ما زالت متداخلة ومتعددة المرجعيات، وقد تتقاطع أهدافها أو تتعارض أحياناً. كما أن مشاركة 14 دولة في إطار بحري لا تعني بالضرورة استعدادها للالتزام العسكري نفسه، ولا تزال قضايا القيادة وقواعد الاشتباك وتوزيع القوات والتمويل والتنسيق العملياتي بحاجة إلى بناء مؤسسي ورؤية استراتيجية مستقبلية.ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي ليس في عدد الاتفاقيات التي تُوقّع، وإنما في القدرة على بناء: مركز إقليمي موحد للمعلومات والإنذار المبكر، وآلية للتنسيق البحري، وقوة تدخل سريعة، ومنظومة دفاع جوي ومسيّرات، وآلية لمكافحة القرصنة والإرهاب والتهريب، وترتيبات لحماية الموانئ والمنشآت الحيوية، والأهم إطار سياسي لإدارة الأزمات قبل تحولها إلى حروب.

عندها فقط يمكن الحديث عن ولادة منظومة أمن جماعي.

 

هل نحن أمام «ناتو» إقليمي؟

ربما يكون من المبكر جداً إطلاق وصف «ناتو الشرق الأوسط والبحر الأحمر» على هذه الترتيبات.لكن من الخطأ أيضاً التقليل من دلالتها.

فالاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني يحمل مبدأ الدفاع المشترك، والتحالف البحري يحمل مبدأ المسؤولية الجماعية عن الممرات، وقمة العلمين تحمل مبدأ ملكية الدول الساحلية لأمن البحر الأحمر، وما يجري من تطورات بالمعابر الدولية يدلل على هذه الوجهة. وعندما تتقاطع هذه المبادئ، فإنها تنتج شيئاً جديداً:

الانتقال من أمن يعتمد على وجود القوة الأجنبية إلى أمن يعتمد بصورة متزايدة على توزيع القوة داخل الإقليم نفسه. وهذا لا يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة أو أوروبا من المنطقة؛ بل قد يعني إعادة تعريف دورهما من «ضامن وحيد» إلى شريك خارجي في منظومة أمنية تقودها دول الإقليم بدرجات أكبر.

 

الخطة الاستراتيجية المطلوبة

إذا أرادت دول المنطقة تحويل هذه اللحظة إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء «مبادرة أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي» على ستة محاور:

1. الأمن البحري المشترك من هرمز وبحر العرب إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.

2. مركز إقليمي للإنذار المبكر وتبادل المعلومات يربط الدول الساحلية والقوى المشاركة في التحالف البحري.

3. قوة بحرية وجوية مشتركة محدودة المهام لحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، لا لخوض حروب بالوكالة.

4. ربط الأمن بالتنمية عبر الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والتجارة، بحيث يصبح الاستقرار الاقتصادي جزءاً من الأمن القومي.

5. منظومة سياسية لمنع الصراعات تشمل السودان واليمن والصومال والقرن الأفريقي، لأن حماية البحر دون معالجة مصادر عدم الاستقرار البري ستظل معالجة مؤقتة.

6. إطار قانوني إقليمي يؤكد سيادة الدول، وحرية الملاحة، وعدم التدخل، ورفض استخدام الموانئ أو الجزر أو الجماعات المسلحة لتهديد دول المنطقة.

 

الخلاصة:

من هرمز إلى باب المندب… ومن باب المندب إلى الخرطوم

الرسالة الأهم التي تحملها هذه التطورات أن الجغرافيا السياسية للمنطقة آخذة في إعادة التشكل. فأزمة هرمز دفعت دول الخليج إلى التفكير في بدائل ومسارات أخرى. وتهديد باب المندب دفع إلى إنشاء ترتيبات بحرية جماعية. والحلف السعودي–التركي–الباكستاني أضاف طبقة من الردع العسكري. وقمة العلمين أعادت التأكيد على أن أمن البحر الأحمر ينبغي أن يكون في مقدمة مسؤوليات دوله الساحلية. وفي الخلفية تقف أزمات السودان واليمن والصومال والقرن الأفريقي بوصفها مصادر مباشرة لأمن الممرات البحرية.

لذلك فإن المسألة في جوهرها ليست إنشاء حلف جديد هنا أو اتفاق هناك؛ وإنما محاولة ولادة هندسة أمنية جديدة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن باب المندب إلى القرن الأفريقي.

والفرصة التاريخية أمام السودان تحديداً هي ألا يتعامل مع هذه التحولات باعتباره متلقياً للترتيبات الأمنية التي يصوغها الآخرون، بل أن ينتقل إلى موقع الشريك في صياغة المعادلة.

فالسودان ليس مجرد دولة مطلة على البحر الأحمر؛ إنه حلقة الوصل الجغرافية والسياسية بين العالم العربي والقرن الأفريقي، وبين وادي النيل والبحر الأحمر، وبين شرق أفريقيا والداخل الأفريقي.ومن هنا فإن المعادلة الاستراتيجية القادمة قد لا تكون: من يسيطر على البحر الأحمر؟ وإنما: من يشارك في صياغة نظام أمنه؟

وتلك، في تقديري، هي نقطة التحول الحقيقية:

من أمن الممرات إلى أمن الدول، ومن أمن الدول إلى أمن الإقليم، ومن رد الفعل على الأزمات إلى هندسة المستقبل قبل أن تفرضه الأزمات المتفاقمة.

——————

٧ أكتوبر ٢٠٢٠٦ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى