مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإمام الصادق المهدي وإسهاماته في تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الدعوي

تمر علي البلاد والعالم أجمع الذكري الخامسة لرحيل  المجدد المجتهد الإمام الصادق المهدي الذي كان يشكل ركناً من أركان الحياة السودانية بأصعدتها الفكرية والفقهية والسياسية والإجتماعية والثقافية، كرس حياته كلها من أجل الإسلام والوطن سيراً علي خطي جده المؤسس الإمام محمد أحمد المهدي مروراً بالإمام عبد الرحمن المهدي ثم والده الصديق عبد الرحمن المهدي (عليهم الرحمة أجمعين) ، حيث جمع الراحل الإمام الصادق المهدي ما بين إهتماماته بالتراث بالتوازي مع إهتماماته بالحداثة وجمع ما بين الأصل والعصر مزاوجاً كذلك ما بين النقل والعقل مؤسساً لمدرسة فكرية جديدة تجاوز إشعاعها الإطار المحلي الجغرافي لتمتد إلي خارج البلاد، فكان أحد رموز التوعية والإستنارة في عصرنا الحديث، مات الإمام الصادق المهدي لكن بقي إرثه وفكره واجتهاده وتجديده مصباحاً  ينير الطريق للسالكين، ومن بين السالكين الذين ساروا علي طريقه تلميذه الأمير الدكتور عبد المحمود أبو إبراهيم الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار والذي كتب سلسلة مقالات مطولة عن الإمام الراحل الصادق المهدي، (صباح نيوز) وبمناسبة مرور الذكري الخامسة لرحيل الإمام الصادق المهدي تنشر سلسلة مقالات الأمير أبو التي حملت عنوان (الإمام الصادق المهدي وإسهاماته في تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الدعوي) ، فمعاً نتابع التفاصيل.

(1)

بقلم: د. عبدالمحمود أبّو

 

الإمام الصادق المهدي رحمه الله، مجتهد ومفكر إسلامي عصري؛ فإضافة إلى تشرُّبه الإسلام عقيدة وشريعة؛ واستيعابا لتعاليمه -بحكم تنشئته في أسرة تمثل القيادة الدينية لأكبر شريحة اجتماعية في السودان-؛ فقد اطلع على المدارس والفرق والمذاهب الإسلامية، واستوعب منطلقاتها، ومصادرها، وخلفياتها، والبيئة التي نشأت فيها؛ فضلا عن استيعابه للفكر الحديث بمدارسه المتعددة؛ بل عاش في حاضرة الحضارة الغربية دارساً ومحاضراً ومتأملاً. كما أنه طاف كل أرجاء المعمورة لأغراض مختلفة، ولكنه أيضاً كان يراقب ويتأمل التغيرات والتطورات التي تشهدها تلك العوالم ، وقد أشار إلى ذلك في كتابه تحديات التسعينات، حيث قال : (لقد هيأت إليَّ الظروف في الأعوام 1986 ـ 1989م أن أزور كثيراً من بلدان الشمال وبلدان الجنوب؛ ووجدت في موسكو ملامح تجديد لم ألمسها في عام 1980م، وفي واشنطون استعداداً للاستماع إلى رأي خارج قطبي الحرب الباردة، وفي ألمانيا إحساساً بثقة جديدة، وفي طوكيو استعداداً لدور جديد، وفي الصين الشعبية تخلياً عن النهج المعهود إلى الاعتبار بالنتائج، وفي العالم العربي والعالم الأفريقي ضيقاً بالشعارات التي ما حركت يوماً ذبابة، وفي طهران اقتحاماً بنهج تأصيلي لا يهمه موقعه في عالم اليوم، شهدت بذوراً، وسمعت أحاديث لا يستغرب معها طي الصفحة القديمة وفتح صفحة جديدة في العلاقات الدولية)، كانت هنالك ثلاث قضايا كبرى شغلت اهتمامه: القضية الأولى: التوفيق بين حقائق الإسلام وحقائق العصر؛ ولعلّ الدارس لأفكاره يجد هذا الهم حاضراً في كل كتاباته، القضية الثانية: التعايش السلمي بين الأديان والتواصل بين أتباعها؛ لأن عالم اليوم بوسائل اتصالاته ومواصلاته، جعل التواصل بين الشعوب مع تنوع عقائدها أمراً محتوماً، فلا بد من إيجاد صيغة للتعايش السلمي بين الأديان. القضية الثالثة: إقامة الدين في ظل الدولة الحديثة القائمة على المواطنة، وكيفية تطبيق الشورى عبر الآلية الديمقراطية، ومراعاة حقوق غير المسلمين في ظل دولة متعددة الأديان، مع استصحاب الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

فالإسلام جاء ديناً خاتماً للرسالات السماوية؛ متضمناً لأصولها، ومتميزاً عليها بالعموم، والختام، والمرونة التي تمكنه من التجاوب مع المستجدات، التي تطرأ عبر الزمان والمكان، والمصادر الإسلامية الأصيلة متفق عليها في الغالب من جميع المسلمين، وتليها مصادر فرعية اتفق الفقهاء على بعضها واختلفوا على أخرى، والأحكام الإسلامية تنقسم إلى أحكام ثابتة لا يختلف عليها جمهور المسلمين، وأحكام متغيرة هي محل اجتهاد. ومن الطبيعي أن يحدث الخلاف حولها ، والإسلام أعطى العقل دوراً في استنباط الأحكام ، وأقرّ الاجتهاد ، وأجاز الاقتباس من التجارب البشرية؛ وعليه فقد حدث الاختلاف بعد عهد النبوة حول كثير من القضايا التي كان رسول الله المرجع الأول والأخير في البت فيها عندما كان موجوداً ، وبعد وفاته استعمل كل فقيه من الصحابة أسلوبه في فهم النصوص واستنباط الأحكام ، ومع مرور الزمن ظهرت المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية والفرق الإسلامية التي تستمد مشروعية موقفها من النصوص الإسلامية في الكتاب والسنة ، وفي كل عصر يبرز مجددون ينفضون الغبار عن الإسلام، ويميزون بين حقائق الإسلام وبين اجتهاد البشر؛ مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم : ((يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ))، رواه الإمام أحمد والعقيلي وأبو نعيم والبيهقي؛ وإن ذكر العلماء ضعف السند إلا أن معناه صحيح، بينته نصوص محكمة في القرآن والسنة المتواترة.

لقد عرف المسلمون أئمة المذاهب: أبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وكبار الفقهاء الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، وغيرهم؛ وفي القرن التاسع عشر الميلادي كان الإمام المهدي رائد التجديد الذي عمل على تجاوز كل ما من شأنه أن يفرّق كلمة الأمة، ودعا إلى الالتزام بالكتاب والسنة وترك ما سواهما؛ كذلك برز في العالم الإسلامي الأستاذ جمال الدين الأسد أبادي (الأفغاني)، والشيخ محمد عبده، وآخرون؛ كان همهم الأول نفض غبار السنين الذي لحق بالإسلام.

وفي العصر الحديث واجهت المسلمين تحديات كثيرة انبرى المجتهدون والمجددون والمجاهدون للتصدي لها كل حسب ما يسره الله له، والإمام الصادق المهدي كان أحد هؤلاء؛ بل هو أبرزهم لاعتبارات منها: أنه يقود جماعة تصدى أسلافها للاستعمار فأخرجوه من بلادهم بالقوة وأقاموا دولة إسلامية لها تشريعها ونظامها الإداري وعملتها وسياستها الخارجية، ويعمل الخلف لمواصلة الإحياء ملتزمين بالأصل ومواكبين العصر. وأنه جمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية وأدرك نقاط الاتفاق بينهما ونقاط الاختلاف، وأنه ضحى في سبيل ترسيخ المبادئ التي آمن بها فواجه الاعتقال والسجن والهجرة والحكم بالإعدام، وظل وفيا لمشارع الحق التي رفعها حتى آخر لحظات في حياته ، وسوف أستعرض في حلقات أهم ثلاثة محاور في مدرسته التجديدية هي: التجديد في الفكر الإسلامي، والتجديد في الخطاب الدعوي، والتجديد في الآليات، إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى