مقالات الرأي
أخر الأخبار

الإمام الصادق المهدي وإسهاماته في تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الدعوي (8) 

د . عبد المحمود أبو

” الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة”

 أسباب الغفوة

تناول الإمام الصادق المهدي رحمه الله في محاضرته بعنوان الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة، الأسباب التي جعلت الأمة تتراجع في مسيرتها وتغطي في سبات عميق بعد نهضتها، وأسماها “غفوة” كناية عن أنها نومة صغيرة ستصحو منها إذا أخذت بأسباب النهوض ووفرت شروطه وقد أجمل أسباب الغفوة في ثمانية عوامل نستعرضها في هذا المنشور :

أولاً: إن جمهورية الإسلام القائم أمرها على الشورى لم تتجاوز عهد الخلفاء الراشدين، ومنذ عهد الخليفة “معاوية بن أبى سفيان” صارت العصبية لا الشورى أساس الحكم، وصارت القوة لا العدالة فيصل الرئاسة.

ففي مجلس البيعة ليزيد بن معاوية في عام 55هـ وقف “يزيد بن المقفع” فقال: أمير المؤمنين هذا. وأشار إلى “معاوية” وإن هلك فهذا. “وأشار إلى “يزيد”. ومن أبى فهذا. وأشار إلى سيفه، فقال له “معاوية. اجلس فإنك سيد الخطباء، ومنذ ذلك الحين توالت على أمتنا حكومات العصبية والاستبداد السياسي، فجلبت ما جلبت من مظالم باستثناء فترات محدودة.

ثانياً: وتباينت المصالح المادية، واختلفت العطايا، وافترقت الدخول المالية، حتى أن “عمر بن الخطاب ” رضي الله عنه، خشي من مغبة الأمر فقال: “لو استقبلت من الأمر ما استدبرت. لأخذت فضول أموال الأغنياء ورددتها إلى فقراء المهاجرين “. وكان مما أُخِذ على أمير المؤمنين “عثمان بن عفان ” أن “عمر بن الخطاب ” أوقف أراضي كسرى (الخاصة)، وكانت غلتها 9 ملايين درهماً فأقطعها “عثمان” مقابل أخذ حق الفيء، وقيل صارت غلتها 50 مليون درهماً، وكان منها صلاته وعطاياه، فاتهم أنه يستخدم مالا عاماً في أغراض خاصة، وهذا الأمر صار محل اختلاف أكبر وأكبر في عهد “معاوية”. إذ قيل إنه اعتبر بيت مال المسلمين مال الله، ليكون له في أمره الكلمة العليا. وروى “الطبري” هذا الحوار الهام بين “معاوية” وبين الصحابي الجليل “أبى ذر الغفاري”: -قال أبوذر لمعاوية: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟

-قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر.

-قال: فلا تقله.

-قال معاوية: فإني لا أقول إنه ليس لله ولكن سأقول مال المسلمين.

إن سيطرة الخلفاء على المال العام وخضوع توزيعه لاعتبارات التسلط السياسي والمحسوبية استمرت، وزادها “بنو مروان” حدة، فشكى الشاعر العربي شكوى معبرة:

مهر الفتاة بألف ألفٍ كاملٍ وتبيت ساداتُ الجنود جياعا

لو لأبي حفصٍ أقول مقالتي وأقُصُّ ما سَأقُصُّكُم لارتاعا

ثالثا: وخيم الجمود منذ أن انتهت فترة النشاط الاجتهادي بحلول القرن الرابع الهجري، وصارت المذاهب طرائق تقليد ملزمة، مع أن الائمة الذين استنبطوا الأحكام باجتهادهم كانوا ينفرون من إلزام أحد بما فتح الله عليهم. لقد كلف “أبو جعفر المنصور” الإمام “مالكا” أن يضع الموطأ ففعل، فأعجب به وأراد أن يحمل الناس عليه، فقال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقد سبق إلى الناس أقاويل وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم. فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، هذه الروح الحية الحرة ماتت على نحو ما وصف صاحب جوهرة التوحيد:

ومالك وسائر الأئمة كذا أبو القاسم هداة الأمة

فواجب تقليد حبر منهم كذا حكى القوم بقول يفهم

رابعاً: ولتدعيم النظرة المعبدية للإسلام، التمسوا صورة لرسول الله أبعدته من الحكمة الربانية التي تؤكد بشريته وقرَّبته من تصوير المسيحيين لعيسى عليه السلام، ومع أن الامر واضح في القرآن: ” قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ” [سورة الكهف:110].

وأيضاً: “قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً ” [سورة الإسراء:95].

والأمر واضح أيضاً من الحديث: روت أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضا أن يكون أبلغ من بعض، أقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها) متفق عليه.

وروى الإمام أحمد هذا الحديث: (ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به).

خامساً: ووضعوا تصورات خاطئة لعظمة الصدر الأول على حساب العصور التي تليه، مما ثبط همم المسلمين ورشحهم إلى تردى حتمي: (كل عام ترذلون). وهذه الحتمية يرفضها القرآن رفضاً أساسيا: ” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ”[النور:55].

حتمية يرفضها منطق الدين الذي جاء لإنقاذ البشرية، ويرفضها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال فيما رواه الحافظ ابن كثير: (مثل أمتي كالغيث. لا يعلم الخير في أوله أم في آخره).

سادساً: لقد كان التصوف في البداية نسيماً روحياً عذباً يقوم على الرياضات الروحية. ويشحذ الهمة الدينية. ويركز على معاني محبة الله والمحبة في الله والمحبة لله. ويثمر أدباً صوفياً رفيعاً، ولكنه التقط مفاهيم الوساطة بين الخلق والخالق، وانغمس في غيبيات صرفت الناس عن مقاصده، مما شجع على انتشار الشعوذة والتواكل، فساهم في إحلال ولاء الأشخاص للأشخاص. محل وحدانية الإسلام، وطلب الولاء لبناءات اجتماعية راكدة.

سابعاً: هذه العوامل – أي الاستبداد والاستقطاب الاقتصادي والتقليد وغيبيات التصوف تسببت في ضعف الأمة وركودها، فغادرها النشاط والاجتهاد والتجديد. وصارت مؤلفات المؤلفين عالة على متون السالفين، فلا يؤلف الخلف إلا استدراكات عليها أو حواشي أو تفاسير لها فماتت العقول والقلوب وسكنت الحركة:

جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون !!

ثامناً: وصارت الأمة الإسلامية الراكدة الضعيفة لقمة سائغة لقوى الاستبداد والاستعمار، فاحتلت أرضها قطراً قطراً، وأخضعت أوطانها مصراً مصراً، وبهرت شبابها ومفكريها، فلم يعد الاستعمار عاملا خارجياً فحسب؛ بل صار استسلاماً فكرياً وحضارياً تدل عليه العبارات الآتية:

قال “محمد اسد” وزير العدل التركي في 1926م: “إن تركيا قد قررت الأخذ بأسباب الحضارة. وإن هذا يعني الانتماء لأوروبا وإسقاط ما عداه من تراث”. وقال ” طلعت حرب باشا” لصحفي فرنسي قبل الحرب العالمية الثانية: “نحن لا نريد سوى التشبه بكم والانتماء إليكم، فساعدونا على ذلك “. وهذا المعنى فلسفه “طه حسين” فى كتابه “مستقبل الثقافة في مصر “. حيث قال: “إن مصر دائماً قريبة من أوروبا في تاريخها. وإن مصيرها الآن التخلص من كل ما يعيق انتماءها لأوروبا، فأوروبا هي العصر الحديث وعلينا أن نقتبس حياة أوروبا خيرها وشرها “. هذا المعنى تكرر في مقالات وكتب الكثيرين وهو أساس النهج الكمالي (كمال أتاتورك) والذين نهجوا نهجه، وإن تفاوتت الدرجات.

إنه نهج يبلغ بالحضارة الأوربية درجة التقديس. ويبلغ بالحضارة الوطنية درجة كراهية الذات. لقد كان الاستعمار تسلطاً على حقوقنا السياسية ومصالحنا الاقتصادية، وهيمنة ثقافية وفكرية! تسلطاً أغراه ضعفنا. وهيمنة مهد لها الركود الذي حل بحياتنا الفكرية والثقافية.

ونواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى