
بقلم د. عبد المحمود أبو
نواصل استعراضنا لمساهمات الإمام الصادق الفكرية وجهوده لنشر الوعي في الساحة الإسلامية؛ وفي هذا الجزء بين الإمام أن فشل الحلول المستوردة شرقية كانت أو غربية أو قومية فتح الباب أمام عودة الوعي للمسلمين وجعلهم يبحثون في جذورهم لإحياء منهج الإسلام الراشد؛ ولكنه حذر من مكر الغربيين الذين لا يتدخلون في شؤوننا إلا لتحقيق مصالحهم؛ فعلينا أن نعتز بانتمائنا ونعي مصالحنا ونتواصل مع الآخر من خلال قيمنا ومبادئنا ولا يتأتى ذلك إلا إذا توحدت كلمتنا والتزمنا بقيمنا وأعلينا من كرامة الإنسان وبسطنا العدل في مجتمعاتنا؛ فإلى ما سطره الإمام عن أسباب الصحوة:
أولاً: الضعف والركود لم يقتلا جذوة الإسلام تماماً؛ بل ما برح المصلحون والمجددون والمجاهدون ينهضون هنا وهناك، ينبذون التقليد. ويقاومون الاستعمار باسم الإسلام، واستجابة لداعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه السلسلة المتصلة من مجتهدين بالقلم. ومجاهدين بالسيف، هي التي مهدت عبر القرون للصحوة التي توهجت أثناء النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وخبت حيناً ليعود توهجها في النصف الثاني من القرن العشرين، مستقبلة القرن الخامس عشر الهجري. لقد ظلت أمة من الناس حافظة ضمير الأمة الإسلامية مؤكدة أن الدين منصور. وأن للظلام آخر. وأن وعد الله حق: ” وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ “[سورة الأنبياء:105]
ثانياً: كانت الهيمنة في البداية للحضارة الغربية، وافتتن بها بعض الناس. ثم افتتن آخرون بالحضارة الشرقية الشيوعية، وصارت الحضارتان طريقين للتنمية الرأسمالية أو الشيوعية للحاق بالعصر ، ولكن الحضارة الوافدة -لا الوافدة الأولى ولا الثانية -لم تفيا بالوعد تماماً. وتكشفتا عن ضعف خطير أذهل المفتونين بهما أنفسهم، فلا الحضارة العلمانية الغربية. ولا الحضارة الشيوعية الشرقية، سدت مسداً؛ بل بدأت الدلائل تشير إلى إخفاقهما -حتى في مواطنهما الأصلية -وعاد المفتونون من مفكري الشعوب المغلوبة عن افتتانهم. وغادرهم سحر النظرة الأولى. وافتضح ما انطوت عليه الحضارة الوافدة من خطط استغلال لموارد الشعوب المغلوبة. واتضح أن الكبار إنما يتصارعون على سلب البلاد المتخلفة، وإن هم عاونوا أو أعانوا. فلكي ينالوا موقعاً إلى جانبهم في صراعهم الدائب للسيطرة العالمية، هذه الحقائق فتحت عيون كثير من الضحايا.
ثالثاً: وحاولت قيادات فكرية وسياسية في البلاد الإسلامية أن تتسلح بالفكر والنظم الوافدة في حربها السياسية للاستعمار، فاتخذت فكراً ونظماً قومية امتدت من “الكمالية. فالناصرية. فالبعثية “. هذه المحاولات اشتملت على درجة من التحرير السياسي والتعبئة الوطنية، ولكنها كانت خارج الفعل الأساسي في البلاد الإسلامية -كذلك دارت عليها الدوائر وأخفقت إخفاقاً فتح ملف البحث عن بدائل.
رابعاً: وانبرى كتاب ومفكرون تحرروا من تقليد الموروث. ومن تقليد الوافد، استوعبوا نصوص الإسلام المنقولة. واستوعبوا معارف العصر الحديث. وشرعوا يبعثون فكراً إسلامياً عصرياً، ومهما كانت إخفاقات هؤلاء. فقد نجحوا في بيان أن تعاليم الإسلام صالحة للتطبيق مع اختلاف الزمان والمكان. هذا الفكر ساهم مساهمة فعالة في الصحوة.
خامساً: ومما طرد النوم من عيون كثير من المسلمين، إدراكهم أن ثمة تحدياً حضارياً أساسياً يحيط بهم! تحدياً دل عليه هجوم الحضارة الغربية. ثم الشرقية. ثم الصهيونية، التي القمت أمتنا جرعة مركزة نبهت حتى بعض الغافلين.
سادساً: في الصراع مع الاستعمار، أحست الشعوب المغلوبة بانقطاعها من أصولها. وأحست أن ذلك الانقطاع هو جزء من خطة الاستعمار ليهندسها على شاكلته، لذلك شرعت الشعوب تبحث عن أصولها ومنابع ذاتها وكرامتها، وفي بلاد المسلمين. فإن الإسلام هو جذر الجذور، فاستقطب الاهتمام – لا سيما وقد كان الإسلام في الماضي هو أساس المقاومة للاستعمار -فصار الإسلام اليوم رمز استقلال حضاري من الاستعمار حتى لغير المسلمين.
سابعاً: النفط هو وقود الحضارة الحديثة صناعياً وزراعياً ودفاعياً، ووجود النفط بكميات في بلاد المسلمين زاد من أهميتها الاقتصادية في عالم اليوم، لقد كان النفط حتى الستينيات من القرن العشرين. زهيد السعر، مما أتاح لأوروبا واليابان بعد الحرب الأخيرة فرصة تحقق معجزات اقتصادية وقودها قليل الثمن، ولكن في بداية السبعينيات ثم في أواسطها ارتفعت أسعار النفط ارتفاعاً وضع في يد البلاد المنتجة للنفط – وجلها إسلامية -موارد مالية ضخمة. هذه الإمكانات المالية والنفطية، ضاعفت قدرات البلاد الإسلامية التي ينظر إليها العالم كله باهتمام كبير مرده للسجال الذي دار تاريخياً بين الإسلام والحضارة الأوروبية وللموقع الاستراتيجي الهام. حيث تقع أهم الممرات المائية والجوية والطرق بالعالم الإسلامي، لقد لعب وعي المسلمين المتصاعد بدورهم وأهمية منطقتهم دوراً في الصحوة.
ونواصل


