مقالات الرأي
أخر الأخبار

السلام الناقص في السودان .. جذور الإخفاق وإعادة إنتاج الحروب (1955–2025)م

أُميّة يوسف حسن أبوفداية – باحث وخبير استراتيجي في شؤون القرن الأفريقي

مقدمة

شكّلت تجربة بناء السلام في السودان منذ استقلاله واحدة من أطول وأعقد التجارب في إفريقيا. فمنذ اندلاع التمرد الأول في أغسطس 1955، قبل أربعة أشهر فقط من إعلان الاستقلال في يناير 1956، دخل السودان في حلقة مكرورة من الحروب والاتفاقيات التي تُوقَّع بعد إنهاك الدولة وتحت ضغط دولي وإقليمي، لينتهي كل اتفاق بسلام ناقص يحمل في داخله بذور حرب لاحقة.

هذا المسار الممتد لسبعين عاماً يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في مطالب التمردات أو ضعف الحكومات، بل في طبيعة بناء الدولة السودانية نفسها، وفي غياب العقد الاجتماعي الوطني الذي يضم الجميع دون إقصاء.

الحرب الأولي واتفاق أديس أبابا (1955–1972)

بدأ التمرد الأول في أغسطس 1955 بمدينة توريت، في ظل اعتقاد واسع بين الجنوبيين بأن مسار الاستقلال لم يُراعِ خصوصيات الجنوب السياسية والثقافية، وأن الإدارة الجديدة ورثت مركزية استعمارية لم تتغير ، حيث امتدت الحرب الأولى 17 عاماً، إلى أن وُقّع في 28 فبراير 1972 اتفاق أديس أبابا بين حكومة الرئيس جعفر نميري وحركة “الأنيانيا”، ومثّل الاتفاق تقدماً ملحوظاً في حينه، إذ منح الجنوب حكماً ذاتياً واسعاً، واعترف بالخصوصية الثقافية، ودمج قوات الأنيانيا في الجيش السوداني ، لكن الاتفاق صمد فقط 11 عاماً، ثم انهار في مايو 1983 عندما اتخذ نميري قراراً بإلغاء الحكم الذاتي وتقسيم الإقليم الجنوبي، لتندلع الحرب الثانية بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان تحت زعامة جون قرنق.

الحرب الثانية واتفاق نيفاشا (1983–2005)

الحرب التي بدأت في 1983 كانت الأطول في تاريخ السودان الحديث، واستمرت 22 عاماً. نتج عنها ما يُقدَّر بأكثر من 2 مليون قتيل من الطرفين، وتشريد الملايين، وانهيار اقتصادي عميق ، حيث انتهت الحرب بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا في 9 يناير 2005، بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية ، ومكّن الاتفاق الحركة الشعبية من السيطرة على جنوب السودان وتمكينها من المشاركة في السلطة المركزية والاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه حمل في داخله بذور الانفصال، من خلال:

استفتاء تقرير المصير بعد 6 سنوات

احتفاظ الحركة الشعبية بجيشها، مع بقاء مناطق التماس في أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق بلا تسوية نهائية ، ومعالجة الصراع على أنه نزاع شمال–جنوب، رغم أن جذوره قومية تتعلق ببناء السلطة والهوية والمواطنة ، حيث انتهى الاتفاق بانفصال الجنوب في 9 يوليو 2011، لكن بدلاً من أن يجلب الانفصال الاستقرار، اندلعت حروب جديدة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق منذ يونيو 2011، إضافة إلى استمرار الصراع الدارفوري الذي بدأ عام 2003.

دارفور: من مأساة إنسانية إلى اتفاقات غير مكتملة (2003–2025)

اندلع تمرد دارفور في فبراير 2003 . وقد تزامن ذلك مع ذروة الحرب في الجنوب، مما أضعف قدرة الدولة على إدارة جبهتين في وقت واحد. ونتج عن صراع دارفور:

أكثر من 300 ألف قتيل وفق تقديرات الأمم المتحدة.

نزوح ولجوء ملايين السكان داخل السودان وخارجه.

تدخُّل مكثف للمحكمة الجنائية الدولية، وصراعات قبلية حادة.

دخلت الحكومة في سلسلة اتفاقيات مع بعض الفصائل:

اتفاق أبوجا في مايو 2006، ووقّعته الحكومة مع فصيل مني مناوي فقط.

اتفاق الدوحة في يوليو 2011 مع حركة التحرير والعدالة.

لكن كلا الاتفاقين فشلا في إنهاء الحرب، لأنهما لم يتعاملا مع جذور الأزمة ومطالب السكان المحليين، ولأن كثيراً من الحركات لم تشارك فيهما. كما أدى التضارب بين الفصائل إلى نشوء ظاهرة التمرد المتعدد والمسلحين غير المنضبطين.

اتفاق جوبا (2020) : الحلقة الجديدة من السلام الناقص

في 3 أكتوبر 2020 تم توقيع اتفاق جوبا للسلام بين الحكومة الانتقالية وحركات الكفاح المسلح. رُوّج للاتفاق حينها بوصفه “الفرصة الكبرى للسلام الشامل”، لكن الأحداث اللاحقة، خصوصاً منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، أثبتت أن الاتفاق لم يعالج جذور الحرب السودانية، وأنه مثل حلقات سابقة، قدّم سلاماً ناقصاً.

أوجه قصور اتفاقيات السلام السودانية

1. غياب التشخيص الحقيقي للأزمة

كانت أغلب الاتفاقيات تُصاغ عبر نخب متمردة وأخرى مركزية في الخرطوم، دون مشاركة المؤسسات المجتمعية أو القوى الاجتماعية المتضررة ، وهكذا ظل المواطن خارج المعادلة، بينما احتكرت النخب تعريف المشكلة وتحديد مخرجاتها.

2. تقاسم السلطة والثروة بين المركز والمتمرد

أصبحت الحركات المسلحة ترى أن أسرع طريق للسلطة والموارد يمر عبر التمرد، إلزاماً للحكومة على التفاوض. وبذلك تحولت الحركات إلى “أحزاب مسلحة” تُكافأ بقسمة السلطة، بينما تُترك مناطق النزاع دون تطور تنموي حقيقي.

3. تقديم القادة المتمردين ممثلين حصريين للإقليم

كثير من الحركات لا تمثل إلا جزءاً محدوداً من السكان. لكن السلطة كانت تتعامل معها بوصفها المتحدث الشرعي، فتنشأ طبقة سياسية لا ترتبط فعلياً بالمجتمعات المتضررة، مما يطيل من عمر النزاع.

4. الإبقاء على القوات والميليشيات

تعثّر الدمج والتسريح في كل الاتفاقيات تقريباً، كما حدث مع جيش الحركة الشعبية بعد 2005، وقوات الحركات المسلحة بعد 2020 ، حيث أدى ذلك إلى وجود جيوش موازية للدولة، تنفجر صراعاتها عند كل أزمة .

5. نقاش قضايا قومية مع فصائل إقليمية

جرت مناقشة قضايا كبيرة — العلمانية، الحكم اللامركزي، تقاسم السلطات، الفترة الانتقالية — مع جماعات مسلحة لا تمثل غالبية الشعب، فنتجت تسويات غير متوازنة وزادت حدة الاستقطاب ، فجوهر الأزمة السودانية لا يكمن فقط في السلاح، بل في :

فشل مشروع الدولة الوطنية منذ 1956.

غياب العدالة في توزيع الموارد والسلطة.

انهيار مؤسسات الدولة وضعف الخدمة المدنية.

التدخلات الإقليمية المتكررة.

عدم وجود مشروع وطني جامع يحدد هوية الدولة ووجهتها ، وبالتالي، أي اتفاق لا يعيد تأسيس الدولة على قواعد جديدة، سيعيد إنتاج الأزمة، ولو بعد سنوات.

مقارنة مع نموذج السلام المستدام في رواندا (1994–2025)

قدمت رواندا نموذجاً معاكساً تماماً لما حدث في السودان. فبعد عقود من عدم الاستقرار منذ ستينيات القرن الماضي، تجددت الحرب الأهلية الرواندية ومجازر الإبادة عام 1994، والتي قُتل فيها ما يقارب 800 ألف شخص خلال 100 يوم ، لكن الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي *حققت انتصاراً كاملاً وشاملاً* في يوليو 1994، وسيطرت على معظم الأراضي الرواندية، باستثناء منطقة صغيرة بقيت تحت حماية فرنسية محدودة في إطار عملية “توركواز”.

الفرق الجوهري أن رواندا 

1. أنهت الحرب بانتصار واضح، وليس بتسوية هشة.

2. لم تحتفظ أي جماعة مسلحة بقوتها خارج الدولة.

3. أُسست منظومة عدالة انتقالية واسعة عبر محاكم “الغاتشا” الشعبية، لمعالجة جرائم الإبادة.

4. اعتمدت مشروعا وطنياً مركزياً للبناء والتنمية، بلا تقاسم سلطة هش على أساس عرقي أو جهوي.

5. تم تحييد التدخلات الدولية بعد 1994، خلافاً للسودان الذي بقي ساحة مفتوحة للتدخلات.

لهذا ظل السلام الرواندي مستقراً لثلاثين عاماً، بينما كان السلام السوداني مجرد استراحة بين حربين.

لكي يخرج السودان من الحلقة المغلقة، يحتاج إلى

1. إعادة بناء الدولة عبر دستور دائم يشارك فيه الجمهور والضحايا لا النخب فقط.

2. تفكيك كل الجيوش الموازية ودمج القوات في جيش مهني واحد.

3. تنمية حقيقية في مناطق الصراع، وليس تقسيم مناصب في الخرطوم.

4. عدالة انتقالية تعالج الجرائم والانتهاكات .

5. إبعاد التدخلات الإقليمية التي غذت الحروب.

6. مشروع وطني جامع يتجاوز الانتماءات الجهوية والقبلية.

من دون ذلك، ستظل الاتفاقيات مجرد أوراق، وستظل الحروب تتجدد وتتناسل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى