
الواثق البرير
بعد مرور ألف يوم على الحرب في السودان، لم تعد المأساة مجرد أرقام في التقارير، وإنما صور حيّة لأطفال هُزِلَت أجسادهم من الجوع، وأمهات يفترشن الأرض في معسكرات النزوح، ومدن تحوّلت بيوتها إلى أطلال، ومستشفيات صامتة بلا دواء ولا أطباء، ومرافق معطلة. هذه الحرب دمرت العمران وكسرت روح المجتمع ونسفت معنى الدولة وحوّلت الصراع على السلطة إلى آلة يومية لإنتاج الفقر والخوف والخراب. مآلاتها تنذر بسودان مُقّسم ومتشظي، تُدار فيه الحياة وفق منطق السلاح وتُستباح فيه كرامة الإنسان. ألف يوم من الحرب أكدت أن الحرب لا تبني دولة، وأن السلام الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق أو من تسويات فوقية، بل من مشروع وطني شامل يعيد للإنسان السوداني حقه في الأمان والعيش الكريم، ويؤسس لدولة مدنية تحكم بالقانون، وتداوي جراح الوطن بدلاً من تعميقها، وتعيد بناء مجتمع متماسك ومتسامح ومتعايش.
إن إنهاء الحرب في السودان مرهون بإرادة سياسية وطنية تتحرر من هيمنة البندقية، وتستعيد مشروعاً تأسيسياً لإعادة بناء الدولة، المشروع الذي صاغ الإمام الصادق المهدي معالمه بوصفه عقداً اجتماعياً جديداً يعيد تعريف الدولة وعلاقتها بالمواطن. هذا العقد يقوم على هوية وطنية جامعة تحتضن التنوع السوداني، وتنهي المظالم التاريخية، وتُرسّخ سيادة حكم القانون، ويفتح الطريق أمام تحول مدني ديمقراطي حقيقي، وتنمية اقتصادية مستدامة تعيد الاعتبار للإنتاج والعدالة الاجتماعية، وبناء جيش قومي مهني واحد يخضع للسلطة المدنية، وسياسة خارجية متوازنة تقوم على حسن الجوار والتعاون، وتحمي السودان من الانزلاق نحو محاور الصراع الإقليمي والدولي.
مرت علينا قبل أيام ذكرى رحيل الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان، فهو مدرسة في الوطنية ومنارة للاعتدال، وحارس أمين لقيم الديمقراطية. هذه الذكرى وقفة لتجديد العزم على صون المكتسبات العظيمة التي أودعها فينا، واستلهام إرثه العصّي على الانكسار. فقد ترك رؤية واضحة لخلاص الوطن، ومنهجاً يرفض العنف ويقدس الحوار، ورسالة تعتبر جسر العبور نحو السودان الوطن الواحد. الالتزام بهذا الإرث، خصوصاً في ظل الحرب العبثية الراهنة، يمثل ضرورة وطنية لضمان استعادة التحول المدني الديمقراطي الذي قضى الإمام عمره كله دفاعاً عنه.
الموقف المبدئي تجاه الحرب يقوم على رفضنا القاطع لها منذ اليوم الأول، بإعتبارها تهديداً وجودياً لبقاء الدولة السودانية. واكدنا الانحياز الكامل للشعب السوداني وحقه في الحياة، ورفض أي اصطفاف خلف طرفي النزاع أو منح البندقية غطاءً سياسياً. الحل السياسي المستدام لا يتحقق عبر محاصصات، بل من خلال وقف فوري وشامل للأعمال العدائية، يعقبه حوار مائدة مستديرة صادق يؤسس لمشروع وطني يفضي إلى استعادة التحول المدني الديمقراطي، وبناء جيش وطني مهني واحد، والالتزام بمبادئ العدالة والمحاسبة لضمان استقرار البلاد ووحدتها.
خطنا السياسي واضح لا لبس فيه؛ يرتكز على مشروع الخلاص الوطني الذي يمثل خارطة طريق لوقف الحرب وإعادة بناء الدولة المدنية المستقرة، وينسجم تماماً مع رؤية التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، الذي يلتزم بقضايا الثورة والتغيير، ويتمسك بمبادئ وحدة السودان والسلام العادل والتحول المدني الديمقراطي. هذا المشروع الذي طرحه الحزب ورؤية العمل المشترك يشكلان طريقاً عملياً لوقف الحرب ومحاصرة الكارثة الإنسانية وحماية مكتسبات الثورة وضمان تحول ديمقراطي حقيقي يضع القانون والعدالة والسلام في صلب العمل السياسي.
جهود الآلية الرباعية تمثل مساراً مهماً لإنهاء الحرب، ندعمها بقوة، ويجب أن تتلقى دعماً قوياً من الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الإيقاد، من أجل الضغط الفعّال على الأطراف كافة لوقف الحرب فوراً، ورفض شرعنة منطق السلاح، ودعم عملية سياسية وطنية ذات مصداقية تعالج جذور الأزمة، وتحفظ وحدة البلاد، وتؤسس لتحول مدني ديمقراطي كامل بعيداً عن التسويات الجزئية أو الإملاءات الخارجية التي تعيد إنتاج الأزمة.
فتوحيد الصوت المدني وتوسيع قاعدته يشكلان شرطاً أساسياً لاستعادة المبادرة الوطنية؛ و”إعلان المبادئ السوداني بنيروبي” و”ميثاق القاهرة” خطوات استراتيجية نحو توافق على أسس الحكم المدني الديمقراطي والمواطنة المتساوية والإصلاح الأمني والعسكري، وتمثل الركيزة الصلبة لتوحيد الإرادة المدنية والوقوف في وجه الحلول العسكرية التي أضرت بالبلاد.
فأي عملية سياسية جادة لا يمكن أن تتجاهل المسؤولية المباشرة للتيار الإسلامي العريض الذي خطط وأشعل الحرب وسعى لإجهاض التحول المدني الديمقراطي، ويجب محاسبة فصائله سياسياً وقانونياً، ومنعها من إعادة إنتاج نفوذها تحت أي مسمى. في المقابل، نميز بينها والمجموعات والشخصيات التي رفضت الانقلاب والحرب، وقدمت مراجعات صريحة والتزمت بالتحول الديمقراطي والعمل السياسي السلمي، ويجب أن يكون موقفها هذا معياراً للمشاركة في المستقبل الوطني. كما أن المؤتمر الوطني ليس تنظيماً عادياً، شارك في جرائم ضد الوطن والشعب، ويُعد دستورياً محلولاً وغير مؤهل للحوار أو المشاركة في أي عملية سياسية. أي محاولة لإضفاء شرعية سياسية عليه تعني إعادة إنتاج الأزمة ونسف أي أمل في السلام والتحول الديمقراطي.
وفي إطار تعزيز الجبهة الداخلية لحزب الأمة القومي، تشهد أروقة الحزب حوارات بناءة بين مختلف الرؤى تحت سقف المؤسسية، بهدف بناء توافق صلب، وتعزيز فاعلية المؤسسات، وتجديد الالتزام الصارم بالنصوص الدستورية واللوائح المنظمة ، فهذه الحوارات تؤكد أن “بيت الأمة” سيخرج منها بإذن الله أقوى وأكثر تماسكاً، وقادراً على قيادة الوطن نحو بر الأمان، وتحقيق تطلعات الشعب السوداني في الحرية والعدالة والسلام.



