مقالات الرأي
أخر الأخبار

نحو منظومة أمن عربية–إفريقية جديدة..البحر الأحمر والقرن الإفريقي بين منطق الدولة وتمويل الفوضى

السفير.د.معاوية البخاري

 

لم تعد التطورات المتسارعة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي مجرد انعكاس لأزمات داخلية أو نتاجًا لهشاشة بنيوية مزمنة، بل باتت تعبّر بوضوح عن مشروع إقليمي متكامل لإعادة هندسة الفوضى. مشروع تُستخدم فيه أدوات المال السياسي، والنفوذ غير المباشر، والفاعلون من غير الدول، والمليشيات العابرة للحدود، لتفكيك الدولة الوطنية وتحويل الجغرافيا من فضاء سيادي إلى ساحات نفوذ مفتوحة.

وفي قلب هذا المشهد، تتقاطع اليوم تحركات ومصالح مصر، والمملكة العربية السعودية، والسودان، والصومال، والولايات المتحدة، والاتحاد الإفريقي، بما يفتح نافذة نادرة لإعادة تأسيس منظومة أمن عربية–إفريقية قادرة على كبح مسار التفكيك، وتجفيف منابعه، وإعادة تعريف الأمن الإقليمي على أسس الدولة لا الوكالة.

أولًا: من نزاعات داخلية إلى تفكيك منظم

الخطأ التحليلي الأكبر يتمثل في الاستمرار في توصيف ما يجري باعتباره صراعات محلية أو حروبًا ونزاعات أهلية ذات أسباب داخلية خالصة. فالمشهد الإقليمي يكشف نمطًا متكررًا ومتناسقًا يقوم على:

• إضعاف الدولة المركزية ومؤسساتها السيادية

• شرعنة الفاعلين المسلحين خارج الإطار القانوني وتقويتهم

• خلق حكومات موازية وأمر واقع قسري بتبييض إنساني واستثماري

• السيطرة غير المباشرة على الجزر والموانئ والسواحل

• تدويل الصراعات عبر التمويل والتسليح وشبكات الإسناد والاتصال

هذا النمط لا يستهدف دولة بعينها، بل يضرب جوهر فكرة الأمن الجماعي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للتجارة الدولية والطاقة.

ثانيًا: الإقليم كعقدة استراتيجية للاقتصاد العالمي

تشكل منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وباب المندب وخليج عدن أحد أعمدة التجارة العالمية، إذ يمر عبرها نحو 10–12٪ من إجمالي التجارة العالمية، وما يقارب 30٪ من تجارة الحاويات الدولية، إضافة إلى 8–12٪ من تجارة النفط والغاز المنقولة بحرًا. وبوصفها الحلقة الواصلة بين آسيا وأوروبا عبر باب المندب وقناة السويس، فإن أي اضطراب أمني أو سياسي فيها ينعكس فورًا على سلاسل الإمداد العالمية، وكلفة الشحن، وأمن الطاقة.

من هنا، فإن ما يجري ليس شأنًا محليًا أو إقليميًا ضيقًا، بل مسألة أمن دولي بامتياز.

ثالثًا: التمويل الخارجي… من الشراكة إلى هندسة عدم الاستقرار

في الخطاب الرسمي، يُقدَّم التمويل الخارجي بوصفه أداة للتنمية والاستثمار. غير أن واقع البحر الأحمر والقرن الإفريقي يكشف عن توظيف مغاير، تحوّل فيه المال إلى أداة تدخل مباشر وغير مباشر عبر:

• تمويل مليشيات وقوى مسلحة وشبكات اقتصاد ظل

• شراء الولاءات داخل النخب السياسية والاقتصادية والمكونات المجتمعية

• إضعاف المؤسسات الرسمية بخلق مراكز قوة موازية

• استخدام واجهات إنسانية أو تجارية لتغطية تدخلات أمنية

وهكذا، لم يعد المال وسيلة لبناء الدولة، بل أداة لإعادة تشكيلها أو تفكيكها بما يخدم مصالح الممول والمشروعات الاجنبية .

رابعًا: الإمارات كنموذج دالّ على تسييس التمويل

في هذا السياق، تُقدَّم الإمارات العربية المتحدة كنموذج دالّ على نمط تسييس التمويل الخارجي. فمن السودان إلى القرن الإفريقي وباب المندب، ارتبط دورها باستراتيجية تقوم على:

• دعم فاعلين مسلحين خارج الشرعية

• الاستثمار الانتقائي في مناطق النزاع لا في مؤسسات الدولة

• النفوذ على الموارد والجزر والموانئ والسواحل كأوراق ضغط جيوسياسي

• إعادة توزيع القوة داخل الدول بدل دعم وحدتها

• توظيف واجهات إنسانية وتجارية لتغطية تدخلات أمنية.

وفي الحالة السودانية، مثّل هذا التمويل عاملًا حاسمًا في تحويل مليشيا متمردة إلى فاعل إقليمي، ما أطال أمد الحرب، وفتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم، وهدد الأمن القومي لدول الجوار، وأخرج الصراع من إطاره الوطني إلى فضاء حرب الوكالة.

خامسًا: زعزعة الاستقرار كخيار استراتيجي

الأخطر في هذا النموذج أنه لا يتعامل مع عدم الاستقرار ككلفة جانبية، بل كـ أداة نفوذ استراتيجية:

• دولة ضعيفة تعني قابلية أعلى للاختراق

• سلطة منقسمة تعني تعدد الشركاء والصفقات

• موانئ غير خاضعة للسيادة تعني قدرة على الابتزاز والتدخل

• مليشيات قوية تعني تجاوز الدولة والتعامل مع وكلاء

وبذلك، يصبح غياب الدولة شرطًا لاستدامة النفوذ، لا عقبة أمامه.

سادسًا: من السودان إلى البحر الأحمر… تهديد عابر للحدود

لا تتوقف آثار هذا النموذج عند حدود الدول المتأثرة مباشرة، بل تمتد لتضرب:

• أمن البحر الأحمر وباب المندب

• سلامة الملاحة الدولية

• سلاسل الإمداد والطاقة والغذاء

• استقرار القرن الإفريقي وشمال إفريقيا.

فالمليشيات المدعومة ماليًا تتحول إلى وكلاء فوضى قادرين على تهديد الممرات البحرية وفرض وقائع سياسية وأمنية تتجاوز سيادة الدول.

سابعًا: لحظة التقاطع الإقليمي… لماذا الآن؟

في مواجهة هذا الخطر البنيوي، برزت تحركات متزامنة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الفوضى لم تعد قابلة للإدارة:

• مصر تؤكد وحدة الدول ورفض الحكومات الموازية

• السعودية تربط أمن البحر الأحمر باستقرار الدول المشاطئة

• السودان يمثل عقدة التوازن الجغرافي والأمني بين العرب وإفريقيا

• الصومال يخوض معركة استعادة الدولة والسيادة على ساحله

• واشنطن تنظر للمنطقة من زاوية أمن الملاحة والطاقة واستقرار الاقليم

• الاتحاد الإفريقي يواجه اختبارًا حاسمًا بين ميثاقه وممارساته على الارض.

هذا التقاطع لا يعكس توافقًا عابرًا، بل لحظة سياسية نادرة لإعادة بناء منظومة أمنية جديدة.

ثامنًا: ملامح منظومة أمن عربية–إفريقية جديدة

إعادة تعريف الأمن في هذا الحيز الاستراتيجي تتطلب الانتقال من سياسات الاحتواء المؤقت إلى منظومة مؤسسية دائمة تقوم على:

1. مركزية الدولة الوطنية: تجريم دعم المليشيات والحكومات الموازية واعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.

2. أمن البحر الأحمر كأمن مشترك: آلية دائمة للتنسيق البحري والاستخباري تمنع عسكرة الموانئ خارج سيادة الدولة.

3. ضبط التمويل الخارجي: قواعد إقليمية تُخضع الاستثمارات لمعايير الشفافية وعدم التدخل، مع تسمية الجهات الممولة لعدم الاستقرار ومساءلتها سياسيًا.

4. التنمية كأداة تحصين: ربط الاستقرار بإعادة الإعمار وبناء اقتصاد دولة، لا اقتصاد حرب.

تاسعًا: الاتحاد الإفريقي بين الميثاق والواقع

لا يمكن لهذه المنظومة أن تنجح دون دور إفريقي حازم. فالتساهل مع التمويل الخارجي المزعزع للاستقرار يُفرغ مبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” من محتواه، ويحوّل القارة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، عبر الية كبار الموظفين لتنفيذ المخططات .

الخلاصة: معركة على مستقبل الإقليم

ما يجري في البحر الأحمر والقرن الإفريقي هو معركة على تعريف الأمن والسيادة:

إما منظومة عربية–إفريقية تعيد الاعتبار للدولة الوطنية وتحمي الممرات الاستراتيجية،

أو استمرار تمويل الفوضى والمليشيات بما يحمله من تهديد دائم لأمن الإقليم والعالم.

اللحظة مواتية والاختبار حاسم: فأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي لا يُبنى عبر إدارة الفوضى أو تدوير الأزمات، بل عبر ترسيخ سيادة الدول، ودعم مؤسساتها الشرعية، وتمكينها من ضبط أراضيها ومياهها وحدودها.

فاستقرار الممرات يبدأ من البر، ومن دولة قادرة، لا من ترتيبات أمنية مؤقتة تُراكم المخاطر وتؤجل الانفجار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى