
لا أدري لماذا كثير من السياسيين الذين يتولّون مناصب دستورية ومواقع في أجهزة الحكم ما إن تتم إقالتهم أو إعفاؤهم أو إبعادهم عن مواقعهم تنفتح شهيتهم للكلام على مصراعيها لدرجة يتمنى معها المرء أن يصمتوا!
والأغرب من ذلك أنهم حين يكونون في مواقع المسؤولية يلتزمون صمتاً مريباً يجعلنا نتمنى لو أنهم يتحدثون أو يصرّحون بمعلومة مهمة أو يقدمون إفادة حقيقية وصريحة للرأي العام.
•دعوني أكون عملية وأقدّم أمثلة قريبة وليست بعيدة..
وزير الخارجية الأسبق علي يوسف الشريف الذي لا يزال غير معلوم حتى الآن إن كان قد إستقال أم أُقيل من منصبه.. ما إن أبتعد عن موقعه حتى بدأ في الإدلاء بتصريحات مغايرة تماماً لما كان يقوله أثناء توليه الوزارة.
تحدث عن وجود تقاطعات داخل الوزارة وأن للوزارة رأياً ولأطراف نافذة أخرى رأياً وقراراً مختلفاً، بل قال إنه كان يُفاجأ أحياناً بملفات تقع ضمن اختصاصه يعمل فيها آخرون من دون علمه.
ظل يشكو لكل من يسمع ويكشف عن معلومات ظل صامتاً عنها طوال فترة وجوده في المنصب مع أنه _حين كان وزيراً_ إذا حاولت الاتصال به لأخذ إفادة صحفية ربما تهرّب أو اعتذر أو رفض الإدلاء بأي تصريح.
ثم فجأة، تحوّل كل ما كان مسكوتاً عنه إلى مادة صحفية، وأصبح يوزع التصريحات يميناً وشمالاً!
وهنا يبرز سؤال مشروع..
أليست هذه القضايا من صميم الشأن العام وتهم كل مواطن؟!
ألا يفترض أن تكون محل نقاش وشفافية ما دامت ليست شأناً خاصاً أو قضية أسرية؟!
لماذا يكون تمليك المعلومة شحيحاً ويُترك المجال مفتوحاً للشائعات ثم تُقال كل الحقائق _ أو ما يُقال إنها حقائق _ بعد مغادرة المنصب؟!
هذه الظاهرة لاحظتها أيضاً لدى عدد من قادة قوى الحرية والتغيير الذين كانوا جزءاً من الحكومة الانتقالية.
عندما تحاول التواصل مع أحدهم للحصول على إفادة أو معلومة صحيحة يتهرّب منك ويفر فرار السليم من الأجرب.
وإن إجتهدت وبحثت بنفسك شُنّت عليك حملات لا أول لها ولا آخر.
ثم بعد خروجهم من السلطة، انهالت التصريحات وكشف الأسرار..
تصريحات محمد الفكي سليمان بعد انقلاب البرهان ..وكلام إسحق عثمان.. وتصريحات خالد سلك.. جميعها تصب في الاتجاه نفسه.
تفاصيل وأسرار ومعلومات تُطرح في الفضاء المفتوح.
والسؤال البسيط الذي لا إجابة له..
أين كنتم وقتها؟!.. ولماذا كنتم صامتين؟!
وأخيراً وليس آخراً تصريحات وزير الشؤون الدينية والأوقاف الأسبق في حكومة عبد الله حمدوك نصر الدين مفرح الذي قال إن 479 مليون دولار من أموال الأوقاف كانت تذهب للمجاهدين أو لأسرة عمر البشير وإن عوائد الأوقاف كانت تُحوّل لمنظمات تابعة للحركة الإسلامية أو لأسرة البشير وإن الحركة الإسلامية تحكمت في أموال الأوقاف وحرصت على تعيين نُظّار تابعين لها للأوقاف ذات العائد الكبير وقال أن هذه الأموال وُجّهت لدعم المؤسسات الجهادية خلال حرب جنوب السودان وإن الإسلاميين وظفوا أموال الأوقاف لخدمة أيديولوجيتهم.
وقد تكون هذه المعلومات معروفة لقطاع من المتابعين، لكن السؤال الجوهري هو..
يا نصر الدين مفرح وأنت وزير وهذا مجال اختصاصك والملفات كلها كانت بين يديك وبصلاحيات كاملة..لماذا لم تصرّح وقتها؟!..
ما الذي منعك؟!.. ولماذا تتحدث الآن؟!..
أحياناً أشعر أننا كسودانيين نخلط بين العام والخاص، وبين الموضوعي والذاتي..
نصمت حين يكون في الصمت مصلحة شخصية أو مصلحة حزب أو جهة ننتمي إليها لا مصلحة عامة تهم كل السودانيين.
وتتحول الوزارة إلى استحقاق سياسي وترضيات ومحاصصات و”كيكة”، بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الشعب والإنسان والمصلحة العامة.
علينا أن نعترف بأن هذه مشكلة حقيقية وكبيرة والأهم من ذلك أن نبحث لها عن علاج.
فليس من المقبول أن تكون راضياً ومبسوطاً ما دمت في المنصب وكل شيء “سمن على عسل” وتمام التمام ثم ما إن تخرج تفيض بالأسرار والتسريبات وما يدور في الصوالين والمجالس.
قد نحترمك ونلتمس لك العذر لو قلت بوضوح أنك كنت في المنصب الفلاني ولم تستطع التصريح بسبب ضغوط أو ظروف حالت دون ذلك.
أما أن تصمت دهراً، ثم تنطق فجأة وكأنك بطل بينما الأمر في حقيقته لا يعدو كونه غبينة شخصية وتصفية حسابات فهذا لا ينفعنا ولا نقبله.
لأنه ببساطة قد تنطبق عليك المقولة الشهيرة
“صمتَ دهراً، ونطقتَ كُفراً”



