صناعة الولاء للمؤسسات الوطنية .. بين التخطيط الاستراتيجي وتجارب الشعوب الناهضة

بقلم / أمية يوسف (أبو فداية) – القاهرة
تابعتُ خلال سنوات البحث والاطلاع كيف تنجح الشعوب الناهضة في بناء ولاءٍ راسخ لمؤسساتها الرسمية، لا بوصفه شعارًا عاطفيًا عابرًا، بل باعتباره نتاج تخطيط استراتيجي طويل المدى، تتكامل فيه السياسة العامة مع التربية والإعلام والثقافة الشعبية. وقد أتاح لي ذلك الوقوف على تجارب دول مثل إندونيسيا ورواندا وفيتنام وكوريا الجنوبية، حيث تمثل المؤسسة العسكرية نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل المؤسسة الرسمية إلى رمز وطني جامع، وحارس للهوية والسيادة، وفاعل اجتماعي حاضر في حياة الناس اليومية.
في هذه التجارب، لا تُقدَّم القوات المسلحة باعتبارها أداة قتال فقط، بل بوصفها حامية للوطن وحدوده، وخط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث الطبيعية والبيئية كالزلازل والفيضانات والأعاصير. في فيتنام وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، يظهر الجندي في المناهج المدرسية وفي الأفلام والمسلسلات كبطل وطني مرتبط بالتضحية والانضباط والعمل الجماعي، بينما تحرص الدولة على إشراك المؤسسة العسكرية في عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار، بما يعزز الثقة الشعبية ويحوّل الانتماء من مجرد شعور إلى ممارسة يومية.
أما رواندا، التي خرجت من واحدة من أعقد التجارب التاريخية في القرن العشرين، فقد نجحت في إعادة بناء علاقتها بين الدولة والمجتمع عبر دمج قيم الوطنية والانضباط في التعليم والإعلام والرياضة، وربطها بالمؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها الجيش، باعتباره رمزًا للوحدة الوطنية وحارسًا للسلم الأهلي. وفي إندونيسيا، تم توظيف الاحتفالات الوطنية والأنشطة الشبابية والرياضية لترسيخ صورة المؤسسة العسكرية كجزء من النسيج الاجتماعي، لا كجسم منفصل أو متعالٍ عليه.
القاسم المشترك بين هذه التجارب هو إدراك الدولة لأهمية “التنشئة الوطنية المبكرة”، حيث يبدأ بناء الولاء من دور الحضانة ويمتد إلى المدارس والمعاهد والجامعات، مرورًا بالإعلام والفنون والأنشطة الجماهيرية. إنها عملية تراكمية واعية، تُدار وفق خطط استراتيجية واضحة، وتستهدف تشكيل الوعي الجمعي على المدى البعيد، لا تحقيق مكاسب سياسية آنية.
في هذا السياق، لفت انتباهي مؤخرًا تنظيم قرية البشاقرة استقبالًا لأحد أبطالها، النقيب أبو عاقلة عبدالرحمن صالح. هذا المشهد البسيط في شكله، العميق في دلالته، يعكس كيف يمكن للمجتمع المحلي أن يشارك في صناعة الرموز الوطنية، وأن يغرس في نفوس الأطفال والشباب معاني البطولة والدفاع عن الوطن، ويعزز مكانة القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة جامعة تمثل قيم التضحية والمسؤولية.
إن مثل هذه المبادرات، حين تُفهم وتُوظف ضمن رؤية وطنية شاملة، تصبح لبنات حقيقية في بناء دولة متماسكة، قادرة على حماية نفسها، وصناعة مستقبلها، وترسيخ الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته الرسمية. فصناعة الولاء ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار والتنمية في الدول الساعية للنهوض.
—-
باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي



