منوعات
أخر الأخبار

(البن) في التراث السوداني

بقلم: مهندس/ عبدالجليل حاكم

▪️يُعدّ البن في الثقافة السودانية أكثر من مجرد مشروبٍ يومي؛ فهو طقسٌ اجتماعي متكامل، ومرآةٌ صادقة تعكس ملامح الهوية السودانية، بما تحمله من قيم الكرم، والألفة، والتماسك المجتمعي. فالبن عند السودانيين ليس شراباً يُرتشف فحسب، بل هو حالة تُعاش، ومجلس تُبنى فيه العلاقات، وتُصاغ فيه الحكايات، وتُدار فيه شؤون الحياة.

▪️منذ لحظة تجمع عدة البن وايقاد النار علي المنقد (الكانون) وبدء تحميص حبوب البن على نارٍ هادئة، تبدأ رحلة الطقس؛ حيث يتصاعد الدخان ممزوجاً برائحةٍ زكية، كأنها نداءٌ خفي يدعو أهل الدار والجيران إلى مجلسٍ عامر بالأنس. ثم يُدق البن في “الفندق” بوساطة “المدق”، فيصدر صوتٌ إيقاعي مألوف، صار جزءاً من الذاكرة السمعية السودانية، يعلن أن “الجبنة قامت”.

أدوات البن… تفاصيل تنطق بالهوية

تشكل أدوات البن منظومة تراثية متكاملة، لكل أداة فيها دلالتها ووظيفتها:

● المحماسة: لتحميص البن،

● الجبنة الفخارية: للغلي.

● الفندق (الهاون) لدق الحبوب.

● المدق (اليد): بإيقاعه الخاص

● اللوقاية: التي تستقر عليها الجبنة.

● الليفة: التي تسد فم الجبنة وتصفّيها من الشوائب.

الملعقة :لضبط القوام وتحريك السكر.

● الفنجان :الذي تُقدَّم فيه القهوة في مشهدٍ متدرّج يعكس ذوق الضيافة.

▪️ولا يُنسى “دواء البن” وهو الجنزبيل، الذي يُضاف ليمنح المشروب دفئاً ونكهةً وخصوصية، في تجلٍ لمعرفة شعبية متوارثة بقيمة المكونات الطبيعية.

● مجالس البن… حيث تُصنع الحياة

▪️في مجالس البن، تتجلّى روح السودان في أبهى صورها؛ فهناك تُروى القصص، وتُحلّ النزاعات، وتُعقد المصالحات. وليس غريباً أن تُقال عبارات مأثورة مثل:

“البن بيلم الشمل”، و*”الجبنة بتعرف الناس”، و”الفنجان ما بِنشربو ساكت… بنشربو عِشرة”*.

كما تتردد في هذه المجالس تسميات تعبّر عن حالات المزاج والأنس، مثل:

– الكيف، وهو الحالة التي يبلغها الجالس بعد احتساء البن في صفاء وهدوء؛

– البن: وهو الأصل والجوهر.

– الجبنة، الطقس ذاته؛د.

– القهوة،د: التسمية العامة التي تحمل روح المشاركة.

– الشاذلي أبو الحسن: في إشارةٍ ذات بعدٍ صوفي، تربط البن بسياق روحي وتاريخي عميق، حيث ارتبطت القهوة بمجالس الذكر والخلوة عند المتصوفة.

وفي بعض المجالس يُقال:

“الما بشرب البن ما بعرف الحِكم”،

و*”البن سمح… لو القلوب صافية”*،

في دلالة على أن قيمة البن لا تكتمل إلا بصفاء النفوس.

● خصوصية البن في شرق السودان: 

▪️في شرق السودان، بين مجتمعات البجا، يُقدَّم البن بهيبةٍ ووقار، في مجالس مفتوحة تُعبّر عن الكرم الأصيل. تتوالى الفناجين دون استعجال، ويُنظر إلى تكرارها كعلامة تقدير للضيف، وتفوح روائح البخور واللبان، فتكتمل صورة الضيافة في بعدها الجمالي والروحي.

● طقوس البن في جنوب النيل الأزرق:

▪️أما في جنوب النيل الأزرق، فيرتقي البن إلى مقامٍ عالٍ في سلّم القيم الاجتماعية. وتجد كبار السن لا يسألون عن الطعام أو الملبس، بل يسألون الأبناء عن “حق البن”، في إشارة إلى مكانته الرفيعة. فالبن عندهم أعظم وأفخم وأرقى أنواع الضيافة، وهو المعيار الحقيقي لكرم الإنسان.

▪️وفي تلك المجالس، قد يمتزج البن بالأهازيج والإيقاعات المحلية، ويُقدَّم في سياقات المصالحات، فيكون بداية للصفح، وخاتمة للخلاف، وجسراً يعيد وصل ما انقطع بين الناس.

●البن في وسط السودان:

▪️وفي وسط السودان، خاصة في المدن والقرى على ضفاف النيل، تُعدّ “الجبنة” طقساً يومياً، تتقنه النساء بإبداعٍ لافت. يُرتّب المكان بعناية، وتُصفّ الأدوات في تناغم، ويُقدَّم البن في تدرّجٍ يبدأ بالأولى ثم الثانية فالثالثة، في رحلة أنسٍ تتصاعد مع كل فنجان.

● البن… وحدة في التنوع:

▪️رغم اختلاف البيئات وتنوّع الطقوس، يظل البن خيطاً ناظماً يوحّد السودانيين، ويعبّر عن روحهم المشتركة. فهو في الشرق وقار، وفي النيل الأزرق رمز كرامة، وفي الوسط حياة يومية نابضة.

▪️إن البن في السودان ليس مجرد عادة، بل هو تراث حيّ، وذاكرة جمعية، ومدرسة اجتماعية تُعلّم معاني الكرم، والصبر، والحكمة. ومن يجلس في مجلس البن، لا يخرج كما دخل؛ بل يحمل معه شيئاً من روح المكان، ونكهةً من عبق التاريخ.

▪️عموماً سيظل البن السوداني، بكل طقوسه وأدواته وأمثاله، رمزاً للأصالة، ودليلاً على أن هذا الشعب، رغم كل التحولات، ما زال قادراً على حفظ تراثه، وصون قيمه، والاحتفاء بأبسط تفاصيله… في فنجان.

tournasi8@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى