
السفير.د.معاوية البخاري
لم تكن الحرب الثلاثية الجارية مجرد مواجهة عسكرية عابرة في الإقليم، بل مثّلت لحظة فارقة كشفت هشاشة منظومة الأمن الإقليمي، وعرّت الفجوة العميقة بين منطق القوة ومنطق المصالح والآليات المستدامة لتبادلها. ومع انحسار العمليات وطيّ صفحتها عسكريًا ولو مؤقتًا لا تبدو المنطقة مقبلة على سلام مستقر بقدر ما تقف على أعتاب “اليوم التالي” بكل ما يحمله من أسئلة معلّقة واستحقاقات مؤجلة.
فآثار الحرب لا تتوقف عند حدود الميدان، بل تمتد لتعيد تشكيل الوعي السياسي، وتضغط على الاقتصاد الجمعي، وتترك ندوبًا عميقة في البنية الاجتماعية لدول الخليج وإيران على حد سواء. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال الجوهري: ماذا حدث؟ بل ماذا بعد؟ كيف يمكن ترميم ما تصدّع؟ وكيف ستُعاد صياغة العلاقات في ظل ذاكرة مثقلة بالألم، ومصالح متشابكة، وهواجس لم تُحسم بعد، ومخاوف للشعوب تتمدد؟
إن “اليوم التالي” لا يُقاس بلحظة وقف إطلاق النار، بل بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة التعايش، في بيئة إقليمية لم تعد تحتمل دورات مفتوحة من الصراع، لكنها في الوقت ذاته لم تُنجز بعد شروط الاستقرار، وكيف سيكون اليوم التالي!؟
أولًا: جراح لم تندمل… ذاكرة مثقلة بالشكوك
الحرب، بطبيعتها، فرضت على المنطقة بإهدائها المعلنة والمستترة، وهي لا تنتهي بتوقف إطلاق النار. فقد خلّفت مستويات غير مسبوقة من انعدام الثقة، ليس فقط بين الحكومات، بل داخل المجتمعات أيضًا. دول الخليج رأت في الاستهداف المباشر أو غير المباشر لبنيتها التحتية تهديدًا وجوديًا، بينما عززت إيران سردية “الاستهداف الخارجي” ومحاولة تطويقها إقليميًا. هذه الذاكرة المثقلة تجعل أي تقارب لاحق محكومًا بالحذر، إن لم يكن بالريبة. وايضاً لم تجد حماية وعون حليفها التقليدي امريكا .
ثانيًا: الجغرافيا تفرض منطقها… لا فكاك من الجوار
رغم التوترات، تظل الجغرافيا العامل الأكثر ثباتًا. الخليج ليس مجرد مساحة مائية، بل منظومة تداخل اقتصادي وأمني لا يمكن لأي طرف الانفصال عنها. إيران، بحكم موقعها وثقلها، تبقى جزءًا من المعادلة، كما أن دول الخليج، رغم تنوع تحالفاتها، لا تستطيع إدارة أمنها بمعزل عن الجار الإيراني. من هنا، يصبح التعايش ولو بحدوده الدنيا خيارًا اضطراريًا، لا ترفًا سياسيًا، وكذا مضيق هرمز كممر مائي لا غنى عنه.
ثالثًا: كلفة الحرب… الاقتصاد كمدخل للتهدئة
الخسائر المادية والاقتصادية شكلت قاسمًا مشتركًا ضاغطًا.
• تعطلت سلاسل الإمداد.
• اهتزت أسواق الطاقة.
• تراجعت الثقة الاستثمارية.
هذه الكلفة الكبيرة قد تدفع الأطراف إلى إعادة النظر في استدامة التصعيد. فدول الخليج التي تسعى لتنويع اقتصاداتها تحتاج إلى بيئة مستقرة، وإيران التي تواجه ضغوطًا اقتصادية مزمنة تحتاج إلى متنفس إقليمي. هنا، يمكن للاقتصاد أن يتحول من ساحة صراع إلى منصة تقارب تدريجي، والي الشعوب ان تتعايش فهذا قدرها ومصيرها مهما بلغت التباينات والجراح.
رابعًا: الفواعل الدولية… أمن مستعار أم شراكة مشروطة؟
أثبتت الحرب أن الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية لم يعد كافيًا. القوى الدولية، رغم حضورها العسكري والسياسي، تحكمها حسابات معقدة قد لا تتطابق دائمًا مع أولويات أمن الخليج. هذا الإدراك قد يدفع دول المنطقة إلى البحث عن صيغة أمنية أكثر توازنًا، تقوم على:
• تقليل الاعتماد على الخارج،
• وبناء تفاهمات إقليمية مباشرة،
• دون إلغاء دور القوى الكبرى ولكن بإعادة تعريفه، وتعريف المصلحة الاقليمية على قدم المساواة.
خامسًا: قنوات الشعوب… الحلقة الأضعف والأكثر أهمية
أحد أخطر مخرجات الحرب كان تعميق القطيعة النفسية بين شعوب المنطقة. الخطاب الإعلامي التعبوي، والانقسامات الطائفية، غذّت صورًا نمطية سلبية يصعب تفكيكها بسرعة. ومع ذلك، فإن أي مشروع لترميم العلاقات لن ينجح دون إعادة بناء هذه القنوات عبر:
• التبادل الثقافي،
• التعاون الأكاديمي،
• والانفتاح الإعلامي المسؤول.
فالدبلوماسية الرسمية وحدها لا تكفي إذا بقيت المجتمعات أسيرة للعداء، لابد من دبلوماسية شعبية فاعلة ومدركة.
سادسًا: هواجس المستقبل… بين الردع والانفجار المؤجل
رغم توقف الحرب، فإن أسبابها العميقة لم تُحل بالكامل. لا تزال هناك ملفات مفتوحة تتعلق بالنفوذ الإقليمي، وبرامج التسلح، وطبيعة التحالفات. وهذا يخلق حالة من “الهدوء القلق”، حيث يمكن لأي حادث محدود أن يعيد إشعال التوتر. من هنا، يصبح بناء آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات أمرًا حيويًا لتجنب الانزلاق مجددًا.
سابعًا: مسارات الترميم… من إدارة الصراع إلى هندسة التعايش
يمكن تصور مسارات عملية لإعادة بناء العلاقات، منها:
1. حوار أمني إقليمي تدريجي يشمل قضايا الملاحة وأمن الطاقة.
2. اتفاقات عدم اعتداء ضمنية أو معلنة لتقليل احتمالات التصعيد.
3. تعاون اقتصادي محدود في مجالات غير حساسة سياسيًا كبداية.
4. إعادة تفعيل القنوات الدبلوماسية على مستويات متعددة.
5. ضبط الخطاب الإعلامي لتقليل التوترات المجتمعية.
هذه المسارات لا تعني نهاية الخلاف، بل إدارة أكثر عقلانية له.
خاتمة: بين الذاكرة والمصلحة
مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية لن يُبنى على النوايا الحسنة وحدها، ولا على توازنات القوة الصلبة فحسب، بل على معادلة مركّبة تستوعب ثقل الذاكرة وجراحها، دون أن ترتهن لها، وتستجيب في الوقت ذاته لضرورات المصلحة التي لا يمكن القفز فوقها. لقد كشفت الحرب هشاشة البنية الإقليمية، لكنها، paradoxically، فتحت نافذة لإعادة التفكير في أسس أكثر واقعية واستدامة للعلاقة.
وبعيدًا عن دوائر الاتهام المتبادل وأخطاء الماضي، وعن آثار الحرب التي ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف السياقات السياسية والاقتصادية والأمنية، تبرز حاجة ملحّة إلى مقاربة مستقبلية رشيدة، تُبقي على مركزية الجوار الجغرافي بوصفه قدرًا لا يمكن تغييره، وتُعلي من شأن التعاون والتنسيق كخيار لا غنى عنه. فالأمن القومي للمنطقة لم يعد قابلًا للتجزئة، وأي اختلال في طرفه سينعكس، عاجلًا أم آجلًا، على بقية الأطراف.
إن تجاوز المرحلة الراهنة لا يتطلب فقط إدارة التوازن، بل يستدعي شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق تسويته، بل ومعالجة آثاره عبر آليات واقعية لجبر الضرر وتعويض الخسائر، بما يعيد بناء الحد الأدنى من الثقة التي تآكلت بفعل الحرب. وفي هذا السياق، لا تبدو البراغماتية خيارًا باردًا بقدر ما هي ضرورة عقلانية لتفادي إعادة إنتاج الأزمات ذاتها بكلفة أعلى وأفق أكثر انسدادًا.
وبين ذاكرة لا تُنسى ومرارات جسام وتلاوم، ومصلحة لا تُهمل، يتحدد المسار: إما ترميمٌ تدريجي يُعيد تشكيل الإقليم على أسس من التوازن والتكامل، أو انزلاقٌ متكرر في دوامات الصراع. وفي هذا المفترق، تظل الإرادة السياسية الواعية وحدها القادرة على ترجيح كفة المستقبل على حساب إرث المواجهة.


