
السفير.د.معاوية البخاري
بعد ثلاثة أعوام من حربٍ فُرضت على الدولة والمجتمع، ودخول البلاد في العام الرابع بحلول ١٥ أبريل الجاري لم يعد المشهد السوداني مجرد ساحة صراع مسلح، بل تحوّل إلى اختبار تاريخي لقدرة الدولة على الصمود، ولإرادة شعبٍ واجه واحدة من أعقد الأزمات المركّبة والتحديات الوجودية في تاريخه : حرب، مركبة وعدوان خارجي وانهيار خدمات، ونزوح ولجوء، وانتهاكات جسيمة طالت الإنسان والعمران معًا.
لقد خلّفت الحرب آثارًا إنسانية قاسية: ملايين النازحين واللاجئين، آلاف الضحايا، تفشي جرائم الاغتصاب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، إلى جانب تدمير واسع للبنى التحتية، ونهب الأعيان المدنية، وتعطيل عجلة التعليم والصحة و الاقتصاد، من الزراعة إلى الصناعة والخدمات. وسعي التمرد وأربابه لفتح جبهات جديدة كما هو الحال بالكرمك لاستدامة الحرب . كل هذه الوقائع وغيرها من نذر شاخصة ، تعزز سردية السودان الوطنية وثبات قيادته وصدقية رؤيته، وتدفعه لاستمرار نضاله وحجته في عكس انتهاكات التمرد وبشاعة جرائمه وفق معايير القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، والتي ترقى إلى جرائم حرب جسيمة تستوجب المساءلة، لكنها اصطدمت حتى الآن بصمت دولي مريب، وعجز واضح عن اتخاذ مواقف حاسمة، بما في ذلك تصنيف الجهات المسؤولة والتمرد ضمن قوائم الإرهاب، او رفع القيود عن عضوية السودان بالاتحاد الأفريقي .
ومع ذلك، ورغم هذا الثقل المأساوي، تتقدم خطى البلاد، وبدأت ملامح تحول تدريجي تفرض نفسها على الأرض. فقد شهدت الأشهر الأخيرة تحرر عدد من المناطق الاستراتيجية والحواضر والأرياف ، بما فيها كامل أجزاء العاصمة القومية، وعودة تدريجية للحياة في بعض المدن، حيث بدأت الأسواق تستعيد نشاطها، وتتحرك جهود إعادة الخدمات الأساسية، ولو ببطء وتحديات كبيرة.
هذا التقدم الميداني ترافق مع انحسار واضح لقوة التمرد في عدد من الجبهات، خاصة في بعض مناطق دارفور وكردفان، مع استمرار معارك ضارية في مناطق أخرى مثل الفاشر، التي لا تزال تدفع ثمنًا إنسانيًا باهظًا. كما تواصل القوات المسلحة عملياتها لتأمين المناطق واستعادة السيطرة، في مؤشر على تحوّل ميزان القوى تدريجيًا.
غير أن هذا التحول لا يخلو من تعقيدات مقلقة. فاستمرار الهجمات بالمسيرات ضد المدنيين والبنية التحتية يعكس انتقالًا في تكتيكات الحرب نحو أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيرًا نفسيًا واقتصاديًا. كما أن دخول أطراف إقليمية وبعض الجوار على خط التوتر، كما في حادثة الكرمك بالنيل الأزرق، يفتح الباب أمام احتمالات تدويل الصراع أو توسيع رقعته، بما يعقّد مسار التعافي ويهدد الامن القومي والسيادة الوطنية.
إلى أين تتجه البلاد؟
يمكن قراءة الاتجاه العام للمشهد السوداني عبر ثلاثة مسارات متوازية:
1. المسار العسكري: يميل تدريجيًا لصالح الدولة، مع توسع نطاق السيطرة واستعادة المبادرة، لكن دون حسم كامل في الأمد القريب، خاصة في ظل الطبيعة غير المتناظرة للحرب، ومجريات الأوضاع على. ساحة الشرق الأوسط وتداعياتها.
2. المسار الإنساني: لا يزال هشًا، ويحتاج إلى تدخلات عاجلة ومنظمة، إذ إن عودة النازحين واللاجئين مرتبطة بتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات، وهو ما لم يتحقق بشكل كافٍ بعد، وان الفجوات ما تزال اكبر من قدرات الدولة والمتاح عبر الإعانات المحدودة .
3. المسار السياسي والمؤسسي: يشهد بداية تشكّل، مع عودة مؤسسات الدولة للعمل وترميم هياكلها، لكنه لا يزال بحاجة إلى رؤية وطنية داخلية جامعة تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، وتمنع إعادة إنتاج الأزمة، وتقليل الانخراط في المعروض الخارجي وأجنداته الانحرافية المشوشة.
الدروس والعبر: ما الذي تعلّمه السودان؟
أولًا، أثبتت التجربة أن الدولة، رغم هشاشتها السابقة، والكلفة التي ترتبت، تظل الإطار الوحيد القادر على حفظ الكيان الوطني. انهيارها كان سيعني تفكك البلاد وجيشها بالكامل وتمزيق نسيجها المجتمعي وهذا اكبر انجاز يتحقق.
ثانيًا، كشفت الحرب خطورة تعدد الجيوش والمليشيات، وأن أي مشروع وطني مستقبلي لا بد أن يبدأ بإصلاح جذري للقطاع الأمني والعسكري، وتوحيد السلاح تحت مظلة الدولة والجيش القومي لا مجال للإبطاء اكثر من ذلك في تنفيذ برامج الدمج والتسريح وتوحيد الامرة والسيطرة العسكرية.
ثالثًا، برهنت الأزمة على أن الاقتصاد المنتج، خاصة الزراعة والصناعة، ليس ترفًا بل شرطًا للأمن القومي، إذ إن تعطيل المواسم الزراعية والدور الصناعية محليا كان له أثر مباشر على الاستقرار الغذائي والاجتماعي.
رابعًا، أكدت التجربة أن الوعي الشعبي عنصر حاسم في معادلة الصمود، حيث لعبت المجتمعات المحلية أدوارًا محورية في الإغاثة، والتضامن والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك والتآخي.
خامسًا، أظهرت الحرب محدودية التعويل على المجتمع الدولي، الذي تحكمه المصالح أكثر من القيم، ما يستدعي إعادة تعريف العلاقات الخارجية وأوليات البلاد على أسس أكثر توازنًا وندية، تاخذ بالمصالح الانية والمحيط الامن .
سادساً، تظل قضايا الصحة والتعليم والخدمات محورا اساسياً لراحة ونهضة إنسان السودان وتعويضه فيما اصابه من صدمات فهي معيار الرقي والتحضر وتنمية الكوادر البشرية وتأهيلها لا تقوم إلا ببيئة صحية وتعليمية رائدة.
استكمال مسيرة النصر والتعافي: ما المطلوب؟
إن طي صفحة الحرب لا يتحقق بالانتصار العسكري وحده، بل يتطلب مشروعًا وطنيًا متكاملًا يقوم على:
• حسم أمني منضبط بالقانون، يراعي حماية المدنيين ويمنع الانتهاكات.
• إطلاق عملية اصلاحية سياسية شاملة لا تقصي أحدًا، وتؤسس لشرعية جديدة قائمة على الإرادة الشعبية.تطوي كل أحابيل الماضي من وثيقة دستورية وما بني عليها من فوضى ضاربة واستلاب للدولة والحكم .
• إعادة إعمار ذكية واقعية تبدأ بالخدمات الأساسية، وتراعي الأولويات الجغرافية والإنسانية، تعول على مواردنا الذاتية وقدرات رجال الأعمال بالبلاد .
• عدالة انتقالية حقيقية تنصف الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب.
• إصلاح اقتصادي عاجل يعيد تشغيل القطاعات الإنتاجية، ويخلق فرص عمل.
• إدارة متوازنة للعلاقات الثنائية والإقليمية تمنع التدخلات وتؤمّن المصالح الوطنية، وترتيب البيت الداخلي ومؤسسات صناعة القرار الخارجي وخططه بحملة دبلوماسية وإعلامية ضخمة لعودة السودان الي محيطه الاقليمي بفاعلية.
خاتمة
السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة مفصلية: بين أن تتحول تضحيات شعبه إلى قاعدة لبناء دولة جديدة رائدة أكثر تماسكًا وعدالة، أو أن تضيع هذه التضحيات في دوامة صراعات متجددة وتأخر القرارات المصيرية للدولة . المؤشرات الميدانية تحمل قدرًا من التفاؤل، لكن الطريق إلى التعافي الكامل لا يزال طويلًا وشاقًا، يحتاج الي مضاعفة العزيمة والإرادة وتعظيم التضحيات .
إنها لحظة تتطلب من السودانيين جميعاً – دولةً وشعبًا ونخبًا—أن يرتقوا إلى مستوى التحدي، وأن يحوّلوا دروس الألم إلى مشروع وطني جامع، بتجسير الهوة وتراص الصف الوطني يطوي صفحة الحرب، استنادا الي مزاجهم الجمعي العام وما تحقق من مكاسب ، ويفتح أفقًا جديدًا لدولة تستحقها تضحيات أبنائها. وتسارع خطى الميدان في تطهير كامل التراب الوطني وعزل تجار الحرب وسنارتها من ارباب التمرد والأجندات الخارجية وحملات التضليل الاجنبي بحملة وطنية واعية ومستبصرة تعزز ما تحقق من انتصارات في كافة الجبهات وتكتب السلام والامان والاستقرار والرفاه لشعبنا ليبدأ في مشروع البناء والتنمية والنهضة المستدامة .


