السودان ومجلس الأمن: التمديد التقني بين كسب الوقت وإعادة ترتيب موازين التصويت!؟

السفير.د.معاوية البخاري
قراءة مستقبلية في دلالات التمديد لشهرين، واحتمالات إعادة طرح الحظر الشامل للطيران، وأثر التغييرات المرتقبة في عضوية مجلس الأمن
إن قراءة ما انتهت إليه جلسة مجلس الأمن بشأن السودان لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التمديد التقني لمدة شهرين كما جرت العادة، ولا عند توصيفه باعتباره انتصاراً دبلوماسياً أو تراجعاً عن مشروع الحظر الشامل للطيران فوق السودان وفق ما تردد بعض الأوساط . فالأهم هو فهم ما إذا كان هذا التمديد قد أغلق الباب أمام المشروع، أم أنه أرجأ حسمه إلى حين تهيئة ظروف سياسية وتصويتية أكثر ملاءمة لتمريره.
ومن هذا المنظور، فإن فرضية أن الدول التي دفعت باتجاه الحظر الشامل (امريكا والدنمارك وبريطانيا ) قد تعود إلى طرحه في توقيت لاحق، بعد تغير تركيبة المجلس وموازين التفاهمات داخله، تستحق الدراسة الجادة؛ مع التمييز بين ما حدث فعلاً، وما يمكن استنتاجه منه، وما يظل احتمالاً يحتاج إلى متابعة الأدلة والمؤشرات.
أولاً: ماذا تعني نتيجة جلسة 8 أكتوبر 2026؟
انتهى المجلس إلى اعتماد القرار 2830 بالإجماع، بتمديد نظام العقوبات الخاص بالسودان حتى 11 ديسمبر 2026، وتمديد ولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027. ووصف مجلس الأمن الدولي نفسه الإجراء بأنه تمديد قصير الأجل لإتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات.
هذه النتيجة تحمل ثلاث دلالات أساسية:
• تأجيل الحسم وليس حسم الخلاف: لم يتحقق التوافق اللازم بشأن التعديلات الجوهرية التي اقترحتها الولايات المتحدة، لكن مشروع توسيع نطاق العقوبات لم يُسحب نهائياً.
• استمرار المعركة على مضمون القرار: الخلاف لا يتعلق بموعد تجديد العقوبات فقط، بل بنطاق الحظر الجغرافي، والأطراف المشمولة به، والطائرات المسيّرة ومكوناتها والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
• إبقاء الملف مفتوحاً أمام المساومات: التمديد القصير يعني أن أعضاء المجلس سيعودون قريباً إلى التفاوض، في ظل تغيرات سياسية وعسكرية وإقليمية ودولية قد تؤثر في مواقفهم.
وتؤكد إحاطة Security Council Report أن المشروع الأمريكي واجه اعتراضات من الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في المجلس، إلى جانب الصين وباكستان وروسيا، على توسيع نظام الحظر خارج دارفور. وعليه، فإن وصف ما حدث بأنه انتصار دبلوماسي يحتاج إلى تحديد معيار الانتصار: هل هو منع تمرير التوسعة في هذه الجلسة، أم ضمان عدم عودتها مستقبلاً؟ الأول تحقق عملياً، أما الثاني فلا تسنده نتيجة التصويت وحدها، وأن السجال حوال لا يزال قائماً.
ثانياً: فرضية إعادة طرح المشروع بعد تغيير عضوية المجلس
هذه، في تقديري التحليلي، إحدى أهم النقاط التي تستحق التركيز في قراءة المستقبل، مع فرضية واردة بأن الدولة الراعية للمشروع تتعمد انتظار خروج أعضاء بعينهم والتعويل على البدلاء.
1. انتهاء عضوية باكستان والصومال
تنتهي عضوية باكستان والصومال في 31 ديسمبر 2026 وهما من الداعمين للسودان على الدوام . وخروجهما يغيّر تركيبة المجلس، وقد يعني تلقائياً فقدان السودان بعض أشكال الدعم التي مثّلتها مواقفهما؛ فالمواقف الدبلوماسية يمكن أن تستمر او تتبدل عبر دول أخرى أو عبر الأعضاء الدائمين.
2. إعادة تشكيل الثلاثي الأفريقي
يتكون الثلاثي الأفريقي الحالي من جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال. وفي عام 2027 ستدخل زيمبابوي بدلاً من الصومال، بينما تستمر الكونغو الديمقراطية وليبيريا في عضويتهما حتى نهاية العام. لذلك، فإن التغيير المؤكد هو تغير أحد أعضاء الثلاثي، مما يرجح احتمالية تأرجح الموقف الأفريقي أو انهياره بالضرورة.
3. التغيرات الأوروبية وأمريكا اللاتينية
تغادر الدنمارك واليونان المجلس مع نهاية 2026، وتحل محلهما البرتغال والنمسا. كما تنتهي عضوية بنما، لتحل ترينيداد وتوباغو محلها، بينما تدخل قيرغيزستان بدلاً من باكستان. وتبدأ هذه الدول عضويتها في الأول من يناير 2027.
وهذه التغييرات تفتح المجال لإعادة اختبار المواقف، لكنها لا تكشف وحدها عن اتجاه التصويت المستقبلي؛ إذ ينبغي فحص سياسات الدول الجديدة ومواقفها المعلنة من سيادة السودان والعقوبات وحماية المدنيين.
أما البحرين، فستظل عضواً حتى 31 ديسمبر 2027، وهو ما يجعل موقفها مهماً في دورة التفاوض المقبلة. ورغم انها تمثل الصوت العربي فالتجربة دللت انها تقف في منتصف الطريق في ضوء مواقفها الفعلية من نصوص القرارات والتعديلات المطروحة، لا الاكتفاء بموقعها الإقليمي، الامر الذي يجعل التعويل عليها بحاجة الي عمل دبلوماسي يوازن الضغوط.
ثالثاً: هل يمكن أن يتحول التمديد التقني إلى بوابة لتمرير الحظر؟
من الضروري هنا التمييز بين مسارين قانونيين وسياسيين مختلفين:
• توسيع حظر السلاح والعقوبات ليشمل كامل السودان: وهذا هو جوهر المشروع الأمريكي الذي وثّقته تقارير المفاوضات، بما في ذلك شمول جميع الأطراف والطائرات المسيّرة ومكوناتها.
• فرض حظر جوي شامل فوق السودان: وهو إجراء مختلف من حيث طبيعته ونطاقه وآثاره القانونية والعملياتية. ولا يكفي التمديد التقني وحده للاستنتاج بأن المجلس وافق عليه أو أن تمريره بات وشيكاً.
إذا كانت القراءة المطروحة هي أن واشنطن قد تعيد تقديم مشروعها في توقيت تكون فيه تركيبة المجلس أكثر ملاءمة، فإن ذلك يظل احتمالاً سياسياً معقولاً يستحق المتابعة، تثبته مواقفها ونياتها التي ترجمت لأفعال من بينها حرمان رئيس مجلس السيادة من المشاركة في دورة الجمعية العامة رقم ٨١.
وتكمن أهمية هذا الاحتمال في أن تغيير خمسة أعضاء غير دائمين قد يتيح للراعي الأمريكي إعادة بناء التوافق حول نص معدل، أو تقسيم المشروع إلى إجراءات متدرجة، أو إدخال صياغات جديدة تتجاوز الاعتراضات السابقة. وفي المقابل، لا تستطيع التغييرات وحدها ضمان تمرير أي مشروع؛ إذ تبقى مواقف الدول الدائمة العضوية، وخصوصاً الصين وروسيا، عاملاً حاسماً في أي قرار جوهري، وهذا هو الرهان الرابح أكثر من التعويل على حشد تسعة أصوات.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة في الأشهر المقبلة
السيناريو الأول: إعادة طرح مشروع موسع
يستحق الرصد
قد تعود الدولة الراعية بمشروع معدل بعد يناير 2027، مستفيدة من العضوية الجديدة، ومن التطورات الميدانية، ومن أي تقارير جديدة لفريق الخبراء. وقد يكون التعديل تدريجياً بدلاً من طرح الحظر الشامل دفعة واحدة.
المؤشر الحاسم: ظهور مسودة جديدة تتضمن توسيع نطاق العقوبات، أو مشاورات مكثفة تستهدف الدول التي ستدخل المجلس.
السيناريو الثاني: تمديد آخر مع استمرار المساومة
قد يستمر الانقسام بين مؤيدي توسيع العقوبات ومعارضيه، بما يؤدي إلى تمديد جديد قصير الأجل أو تسوية محدودة لا تحسم الخلاف حول النطاق الجغرافي.
المؤشر الحاسم: استمرار الاعتراضات على شمول كامل السودان، وعدم ظهور توافق على صيغة بديلة.
السيناريو الثالث: تسوية جزئية أكثر قابلية للتمرير
قد يجري الفصل بين تجديد العقوبات القائمة، وتوسيع معايير الإدراج في قوائم العقوبات، ومعالجة ملف الطائرات المسيّرة. وهذا قد يسمح بتمرير بعض التدابير دون الاتفاق على جميع عناصر المشروع الأصلي.
المؤشر الحاسم: ظهور توافق على تدابير محددة، مع استمرار الخلاف على الحظر الجغرافي الشامل.
لا ينبغي التعامل مع هذه السيناريوهات باعتبارها تنبؤات مؤكدة أو ترتيباً لاحتمالات الفوز والخسارة، بل باعتبارها مسارات ينبغي اختبارها عبر النصوص الرسمية، والتصريحات، ومواقف أعضاء المجلس.
خامساً: ما الذي ينبغي أن تفعله الدبلوماسية السودانية؟
إذا كان تقدير الخرطوم أن التمديد أتاح وقتاً إضافياً قبل عودة المشروع، فإن قيمة هذا الوقت تتوقف على كيفية استثماره. فالنجاح لا يتحقق بمجرد الاعتماد على بقاء بعض الدول في المجلس أو خروج دول أخرى منه، وإنما ببناء ملف دبلوماسي وقانوني متماسك.
أبرز المسارات العملية:
1. التحرك المبكر مع الأعضاء الجدد: عدم الانتظار حتى تبدأ المفاوضات الرسمية في 2027، بل تقديم إحاطات موثقة للدول الخمس الجديدة بشأن طبيعة الحرب ومترتباتها على البلاد، وآثار التوسعة المقترحة، ومخاطر تطبيق تدابير واسعة دون ضمانات متوازنة.
2. الحفاظ على تماسك الموقف الأفريقي: العمل مع الكونغو الديمقراطية وليبيريا وزيمبابوي، مع عدم افتراض تطابق مواقفها تلقائياً. والأفضل هو بناء أرضية مشتركة تقوم على سيادة السودان، وعدم الإضرار بقدرات الدولة على حماية المدنيين، ورفض التدابير التي لا تستند إلى تقييم موضوعي متوازن، في ظل ضبابية موقف الاتحاد الأفريقي.
3. توسيع دائرة التشاور خارج أفريقيا: إعطاء اهتمام خاص للبحرين، والأعضاء الأوروبيين الجدد، وترينيداد وتوباغو، وقيرغيزستان، مع تقديم حجج قانونية وعملية تتجاوز الاصطفاف السياسي وتشرح الآثار المحتملة لكل بند في المشروع.
4. الاستعداد القانوني لمناقشة الطائرات المسيّرة: تقديم موقف تفصيلي يميز بين الاستخدامات العسكرية والقدرات الدفاعية للدولة، وبين التدابير التي قد تعطل حماية المدنيين أو تمس سيادة السودان، وفق ما توفره الأطراف الراعية للتمرد. ويجب أن يكون هذا الموقف قائماً على نص المشروع الفعلي، لا على افتراض أن جميع أشكال الحظر المقترحة متطابقة.
5. معالجة الثغرات التي يستند إليها خصوم الموقف السوداني: توثيق الانتهاكات، وإظهار إجراءات حماية المدنيين، وتعزيز التعاون الإنساني، وملاحقة شبكات الإمداد الخارجي بالسلاح عبر الأدلة. فكلما كان الملف السوداني مدعوماً بوقائع قابلة للتحقق، زادت قدرة الدبلوماسية على مواجهة أي مشروع يستند إلى سردية أحادية.
6. التمييز بين تجديد نظام العقوبات وتوسيع نطاقه: فالتفاوض على استمرار النظام القائم ليس هو نفسه قبول توسيعه ليشمل كامل البلاد. وينبغي ألا تختلط هذه المسألتان في الخطاب الدبلوماسي أو في التقييم الإعلامي لنتائج الجلسات، مع الابقاء على كل الاحتمالات.
سادساً: الخلاصة الاستراتيجية
أهمية جلسة 8 أكتوبر لا تكمن في أنها حسمت النزاع حول العقوبات، بل في أنها أبقت الخلاف مفتوحاً حتى ديسمبر بأبعاد واحتمالات مفتوحة، بينما تمتد ولاية فريق الخبراء إلى يناير 2027، أي إلى ما بعد بدء عضوية المجلس الجديدة. وهذا التداخل الزمني يجعل نهاية 2026 وبداية 2027 محطة تستحق مراقبة دقيقة.
ومن ثم، فإن القراءة بشأن احتمال انتظار الراعي الأمريكي تغير تركيبة المجلس لإعادة طرح المشروع هي فرضية استراتيجية جديرة بالمتابعة، لا اريد تحويلها إلى حقيقة مؤكدة قبل ظهور مؤشرات على إعادة التحرك، ولكنها مرجحة الاحتمال.
أما التحدي أمام السودان، فهو ألا يتحول التمديد التقني إلى فترة انتظار سلبية، وألا يُقرأ تعثر مشروع في جلسة واحدة باعتباره ضمانة لتعثره في الجلسات اللاحقة. فالدول التي تتغير عضويتها لا تتغير معها تلقائياً مصالحها، كما أن الدولة الراعية لأي مشروع تستطيع تعديل نصه وبناء تحالفات جديدة حوله.
المقولة الاستراتيجية في هذا المعطى:
في مجلس الأمن، قد يمنح التمديد التقني الدولة وقتاً إضافياً، لكنه لا يمنحها بالضرورة أمناً دبلوماسياً؛ فالقرار الذي يتعذر تمريره اليوم قد يعود غداً بصياغة مختلفة، وتحالفات جديدة، وفي مجلس أعيد تشكيل موازين التصويت داخله. لذلك، فإن الانتصار الحقيقي ليس تأجيل القرار فحسب، بل منع تحويل التأجيل إلى فرصة لإعادة إنتاجه بشروط أكثر صعوبة اضراراً بمصالح البلاد، والفرصة بيدها للإجهاز عليه باكرا نظرا الي كلفته الباهظة وارتباطه بالفصل السابع، رغم انتهاء ولاية بعثة يوناميد في ٢٠٢٠ م.



