مقالات الرأي
أخر الأخبار

بين التعافي والغلاء.. قراءة في حال الخرطوم من قلب الميدان

▪️صباح أحمد

 

_سافرتُ إلى الخرطوم يوم السبت الماضي وغادرتها أمس الأربعاء، وخلال هذه الأيام تجولتُ في عدد من المناطق، وبصراحة وجدتُ فرقاً كبيراً بين زيارتي لها قبل شهر رمضان وزيارتي الأخيرة .

▪️الحراك السكاني:

من حيث الحراك السكاني، لاحظتُ وجود كثافة سكانية داخل العديد من الأحياء والمناطق السكنية في أغلب محليات ولاية الخرطوم مقارنة بالفترة الماضية.

كان واضحاً انتشار الناس وإستمرار الحياة بوتيرة متصاعدة، حيث تزايد عدد المواطنين من الجنسين؛ رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، شيباً وشباباً. وهذه شهادة أذكرها من واقع تجربة عشتها بنفسي، ولم أنقلها عن أحد.

كما لفت انتباهي النشاط الكبير في الميناء البري بالخرطوم؛ حافلات، وبصات سفرية، ومركبات نقل، وتكاسي، في حركة نشطة ومتواصلة تعكس عودة تدريجية للحياة.

▪️الحركة الاقتصادية والنشاط التجاري:

لاحظتُ أيضاً اتساع رقعة الحركة الاقتصادية وانتعاش النشاط التجاري في عدد من الأسواق. فعلى سبيل المثال، أصبح سوق الكلاكلة اللفة وكأنه عاد إلى ما كان عليه قبل الحرب؛ حيث تعمل المحلات التجارية طوال ساعات النهار والليل، مع حركة دؤوبة تشمل المخابز، والمطاعم، والبقالات، ومحلات بيع الخضر والفواكه، والجزارات، والكافتيريات، ومحلات الملابس، والعطارات، والكوافيرات، والبوتيكات، والصيدليات وغيرها.

ولو اكتملت عودة الجامعات والداخليات ورجوع الطلاب من خارج البلاد والولايات، فمن المتوقع أن يزداد الحراك السكاني بصورة أكبر.

كما أن المساجد مفتوحة، ويحرص الناس على ارتيادها في الصلوات اليومية وصلاة الجمعة، وهو مشهد لافت يعكس تمسك الناس بحياتهم الطبيعية. لكن أكثر ما لفت نظري هو الزيادة الكبيرة في أعداد بائعات الشاي وانتشارهن في الطرقات العامة والميادين والأسواق والأحياء والشوارع صباحاً ونهاراً ومساءً.

▪️المواصلات وارتفاع الأسعار:

السفر من الخرطوم إلى مدن البلاد الأخرى وبالعكس أصبح واضحاً ومستمراً، والمواصلات تعمل على معظم الخطوط، ولا توجد أزمة مواصلات.

ولاحظتُ أن الركشات تعمل كوسيلة نقل في الخطوط الطويلة، لكن تعرفة المواصلات مرتفعة ولا تتواءم مع ظروف الناس.

وبصراحة، أصبح الغلاء وارتفاع الأسعار في الخرطوم ظاهرة مزعجة للغاية بالنسبة للمواطنين؛ فكل شيء ارتفع سعره: المواصلات، والمواد التموينية، والسلع الأساسية، ومستلزمات البيوت، والعلاج والأدوية، مع وجود فوضى واضحة في الأسعار.

وأصبح من الصعب الإقامة في الخرطوم دون توفر دخل كافٍ.

وفي رأيي، من المفترض أن تتدخل السلطات لوضع حد لهذه المشكلة، والعمل على توسيع محلات البيع المخفض، خاصة لدعم الأسر وتخفيف أعباء المعيشة.

▪️الأمن والإحساس بالأمان:

من ناحية الأمن والاستقرار، يمكن القول إن هناك درجة كبيرة من الأمان، مع انتشار القوات النظامية وعودة عمل أقسام الشرطة، وهو أمر إيجابي ومطمئن في ظاهره.

لكن، ورغم هذا التحسن، ما زلت أعاني شخصياً من عدم الإحساس الكامل بالأمان. وربما يعود ذلك إلى تراكمات نفسية نتيجة فترات انعدام الأمن السابقة، أو بسبب المعاناة التي عشناها في بدايات الحرب، حيث لا يزال إحساس الخوف مسيطراً عليّ، وهي حالة قد يعاني منها كثيرون ويصعب تجاوزها بسهولة.

▪️الإيجارات وصيانة المنازل:

لاحظتُ أيضاً أن أسعار الإيجارات أصبحت مرتفعة للغاية، خاصة للمنازل والشقق، وأضحت تمثل عبئاً ثقيلاً على كثير من الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغلاء المعيشة.

كما أن بعض الملاك والسماسرة يستغلون هذه الظروف لتحقيق مصالحهم دون مراعاة لأوضاع الناس، مما يزيد من معاناة المواطنين ويجعل مسألة السكن واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الأسر الراغبة في العودة والاستقرار بالخرطوم.

كما أن صيانة المنازل وإعادة تأهيلها أصبحت من الأمور الصعبة جداً في ظل الغلاء الكبير وارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف العمالة، وهي مشكلة تواجه عدداً كبيراً من الأسر التي ترغب في العودة إلى منازلها بعد فترة من النزوح.

فعلى سبيل المثال، مثل كثيرين غيري، منزلنا يعاني من تشققات في الجدران، وأرضية متضررة، وسور الحوش آيل للسقوط من عدة جهات. ولبدء أعمال الإصلاح نحتاج إلى مبلغ لا يقل عن 3 مليارات جنيه، أو ربما أكثر، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأسمنت والطوب وجميع مواد البناء، إضافة إلى تكاليف شراء الأثاث والمستلزمات المنزلية، وإعادة توصيل الكهرباء بعد سرقة الأسلاك بالكامل، الأمر الذي يجعل العودة والاستقرار أمراً بالغ الصعوبة لي ولكثير من الأسر.

▪️الخدمات (الكهرباء والمياه والصحة):

أما فيما يتعلق بالخدمات، مثل الكهرباء والمياه وغيرها، فيمكن القول إن هناك تحسناً ملحوظاً، خاصة في أغلب مناطق الكلاكلات. كما أن المستشفيات والعيادات والمراكز الصحية والصيدليات تعمل بصورة أفضل من السابق، وهو أمر يساعد على عودة الحياة تدريجياً.

ورغم ذلك، ما زالت مشكلة البعوض ونواقل الأمراض قائمة، لكنها أقل حدة من السابق، مع ملاحظة وجود انحسار نسبي في الأمراض والأوبئة.

▪️وأمام هذه التحديات مجتمعة، خاصة فيما يتعلق بغلاء المعيشة وارتفاع الإيجارات وصعوبة صيانة المنازل، تبرز الحاجة الملحة لدور حكومي أكثر فاعلية وتنظيماً.

فصراحة، ينتظر الحكومة دوراً كبيراً ومهماً خلال هذه المرحلة، من أجل تشجيع المواطنين الموجودين على الاستقرار، وتحفيز من هم خارج الخرطوم على العودة، عبر توفير بيئة معيشية مناسبة وخدمات مستقرة ودعم حقيقي للأسر.

كما أرى ضرورة عودة نشاط اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين لولاية الخرطوم بصورة مكثفة وواضحة وملموسة، لما لذلك من أهمية في تنظيم عودة المواطنين وتسهيل استقرارهم.

ومن المهم أيضاً أن تكتمل عودة الحكومة نفسها بكامل أجهزتها إلى الخرطوم، إذ إن وجودها حالياً بين بورتسودان والخرطوم بصورة متقطعة يربك العمل ويُضعف من فاعلية الأداء، وتعطي إشارات للمواطن بأن الحكومة المسؤولة عن حمايته ورعايته ليست قريبة منه، وهو وضع يحتاج إلى حسم وتنظيم ومعالجة حتى تتمكن مؤسسات الدولة من أداء دورها بصورة مستقرة وفعّالة، وتسهم في إعادة بناء الحياة داخل العاصمة.

▪️عموماً..الخرطوم اليوم ليست كما كانت تماماً، لكنها أيضاً لم تعد تلك المدينة الصامتة التي تركناها في أصعب الأيام وهي تحترق..

فيها ملامح حياة تعود، وخطوات ناس تحاول أن تبدأ من جديد، رغم التعب والخسارات والوجع الذي لا يزال يسكن الذاكرة.

ولعل ما رأيته خلال زيارتي الأخيرة منحني قدراً من الأمل، لكنه في الوقت نفسه كشف حجم المعاناة التي ما زال يعيشها المواطن في تفاصيل يومه؛ من إيجارٍ مرهق، وبيتٍ يحتاج إلى إصلاح وصيانة وتعمير، وسعرٍ يتغير كل يوم، وخوفٍ لم يغادر القلوب تماماً.

الخرطوم تحتاج اليوم إلى أكثر من عودة الناس إليها؛ تحتاج إلى رعاية حقيقية، وعدالة في الأسعار، ودعمٍ يعين الأسر على الوقوف من جديد، حتى لا تتحول العودة إلى عبء جديد يثقل كاهلهم. فالناس هناك تحاول أن تنهض، وتجمع ما تبقى من قوتها، لتبني من جديد فوق ما تهدّم.

وبرغم كل شيء، يظل الأمل موجوداً.. لأن هذه المدينة، مثل أهلها، عرفت الانكسار، لكنها عرفت أيضاً كيف تعود للحياة مرةً أخرى.

فالخرطوم، مهما أثقلتها الجراح، تظل مدينة تعرف طريقها إلى الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى