
▪️خلونا في الصورة
▪️صباح أحمد
في ظل حرب أنهكت البلاد، ومعاناة يومية تتسع بلا توقف، لم يعد الغلاء مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تحول إلى حالة استحالة معيشية، حيث أصبحت أبسط تفاصيل الحياة عبئاً خانقاً يُلقى بالكامل على ظهر المواطن البسيط الذي استُنزفت قدرته على الاحتمال منذ زمن.
▪️فعندما تصل تعرفة المواصلات بين مدينتين متلاصقتين كعطبرة والدامر مثلاً إلى 3500 جنيه للاتجاه الواحد، فنحن لا نتحدث عن زيادة أسعار فحسب، بل عن شلل معيشي كامل يُضاف إلى جراح الحرب ويضاعف معاناة الناس.
كيف لموظف أو عامل بسيط أن يواصل حياته وهو مطالب بدفع 7 آلاف جنيه يومياً للمواصلات فقط، في وقتٍ تآكلت فيه الرواتب حتى أصبحت عاجزة عن الصمود أمام متطلبات أسبوع واحد أو أقل من أكل وعلاج وإيجار وكهرباء ومياه، في بلد يعيش أصلاً تحت ضغط الحرب والانهيار؟!
▪️وفي خضم هذا المشهد القاتم، لم يعد مقبولاً أن تنحصر تحركات رأس الدولة، عبد الفتاح البرهان، في التجول بعربته “البوكسي” داخل الشوارع والأسواق، وتبادل الأحاديث واحتساء القهوة والتقاط صور “السيلفي”، بينما المواطن يواجه الحرب والجوع والغلاء في آنٍ واحد.
فالناس اليوم لا تحتاج إلى مشاهد شعبوية أو جولات استعراضية، بل إلى قيادة تدرك حجم الكارثة المركبة.. حرب ومعيشة وانهيار، وتتحرك بقرارات توقف هذا النزيف وتحفظ للإنسان كرامته وحقه في الحياة.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق رأس الدولة وحده، بل تمتد إلى كامل إدريس وحكومته، الذين باتوا مطالبين بالخروج من دائرة التصريحات الحالمة في الفضاء المفتوح، إلى مساحة الفعل الحقيقي في بلد تحاصره الحرب وتنهشه الأزمات.
فالشارع لا ينتظر تصريحات ولا وعود موسمية، بل إجراءات واقعية وملموسة تُخفف هذا العبء وتُشعر المواطن بتحسن حقيقي لا مجرد كلام.
كما أن هذا الانفلات لا يعفي السلطات الولائية والمحلية من مسؤوليتها، خاصة في ملف المواصلات والرقابة على التسعيرة، إذ لا يُعقل أن تُترك حياة الناس رهينة لجشع السوق وغياب الرقابة.
▪️إن وظيفة الدولة لا تُقاس بحجم الحضور الإعلامي، بل بقدرتها على حماية مواطنيها من الجوع والإذلال في زمن الحرب. أما الصمت الرسمي تجاه هذا التدهور، فلا يمكن قراءته إلا كتخلي واضح عن المسؤولية الأخلاقية والوطنية.
ما يحدث الآن يؤكد أن المواطن تُرك وحيداً يواجه حرباً مفتوحة ومعيشة منهارة، بينما يدفع من صحته وقوت أطفاله فاتورة العجز الإداري والفشل الاقتصادي.
ولذلك، فإما أن تنهض الدولة بمسؤوليتها كاملة وتوقف هذا الانهيار، أو تعترف بصراحة بأنها لم تعد قادرة على إدارة الأزمة، لأن القيادة مسؤولية لحماية الأرواح والأرزاق، لا مجرد “قشرة” سلطة ومظاهر.
