مقالات الرأي
أخر الأخبار

في ظل أزمات معيشية وخدمية متفاقمة.. هل “الشيشة” هي معركتنا الكبرى؟!

▪️ خلونا في الصورة

▪️ صباح أحمد

 

في الوقت الذي تمضي فيه الخرطوم في لملمة جراحها واستعادة أنفاسها بعد سنوات من التشريد والخراب، تطل علينا قرارات محلية الخرطوم الأخيرة بمصفوفة من التوجيهات التي تثير كثيراً من التساؤلات حول توقيتها ومضامينها. فبينما كان الأمل معقوداً على خطوات تعيد الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها توصيل التيار الكهربائي للمواقع الاستراتيجية والأسواق، برزت مجدداً “عقلية المنع” عبر قرارات إغلاق الكافيهات، ومنع أندية المشاهدة، وملاحقة بائعات الشاي في الطرق الرئيسية.

▪️هذا التوجه يتجاهل، عن قصد أو غير قصد، سيكولوجيا المواطن الخارج للتو من أتون حرب طويلة، ويصطدم مباشرة بما يمكن تسميته بـ”اقتصاد البقاء”، الذي تعتمد عليه آلاف الأسر السودانية التي فقدت مصادر رزقها، ولم يتبقَّ لها سوى هذه المهن البسيطة لتأمين الحد الأدنى من الحياة.

إن تلك الكافيهات وهذه الأرصفة ليست مجرد “مساحات عشوائية”، بل هي “بيوت مفتوحة بالستر” تعول أرامل وأيتاماً وخريجين ضاقت بهم السبل، وهي في الوقت ذاته “رئات اجتماعية” يتنفس عبرها شبابنا الضائق بأوجاع الحرب، بحثاً عن لحظة أنس تعيد لهم توازنهم النفسي المفقود.

فبائعة الشاي التي تفترش الرصيف، وصاحب الكافيه الذي يحاول استئناف نشاطه من جديد وسط الظروف الصعبة، ليسوا مجرد مظاهر عشوائية ينبغي إزالتها، بل هم وحدات اقتصادية صامدة أسهمت في منع انهيار اجتماعي كامل خلال أصعب الظروف.

ومن ثم، كان الأجدى الاتجاه نحو التقنين والتنظيم وفق ضوابط صحية وهندسية وأمنية واضحة، بدلاً من اللجوء إلى الإغلاق والمنع؛ فالتنظيم لا يعني الإقصاء، بل خلق بيئة عمل منظمة تحفظ المظهر العام، وتصون في الوقت ذاته كرامة العاملين ومصادر دخلهم. أما التضييق على هذه الأنشطة في ظل غياب البدائل الحقيقية وانكماش فرص العمل، فهو دفع مباشر نحو مزيد من اليأس، وتفريغ للمدينة من نبضها الاجتماعي والاقتصادي.

▪️وعند الحديث عن “فقه الأولويات”، يظل السؤال الأهم مطروحاً.. هل تستحق الشيشة ولافتات الإعلانات أن تتصدر المشهد، بينما لا تزال قضايا جوهرية تمس حياة المواطن اليومية في مؤخرة الاهتمام؟! وهنا نهمس في أذن المحلية: ما فائدة إعادة التيار الكهربائي للأسواق إذا كانت القرارات الإدارية تلاحق الأيدي العاملة بداخلها وتغلق أبواب الرزق في وجوههم؟!.. فالسوق نبض وحركة قبل أن يكون أسلاكاً وإضاءة.

إن المواطن العائد إلى منزله ينتظر إصلاحاً حقيقياً للخدمات الأساسية، بدءاً من معالجة أزمة الكهرباء وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، مروراً بإصحاح البيئة ومكافحة تراكم النفايات، وتأمين الأحياء، وصولاً إلى إعادة تأهيل المياه والصرف الصحي، وهي ملفات تمس البقاء اليومي قبل أي اشتراطات تنظيمية شكلية.

إن “خطة الإعمار والتعافي” لا ينبغي أن تبدأ بالتضييق، بل بالاحتواء والتمكين. فالخرطوم اليوم لا تحتاج إلى قرارات إدارية قاسية بقدر ما تحتاج إلى رؤية تشاركية يشعر فيها المواطن أن الدولة تقف إلى جانبه لا ضده. أنيروا الشوارع أولاً، واتركوا مساحة للحياة كي تستعيد توازنها، فأنياب الفقر لا ترحم ولا تنتظر لجاناً ولا ترتيبات، والمدينة المنهكة لا تحتمل مزيداً من الضغط فوق ضغطها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى