مقالات الرأي
أخر الأخبار

العلاقة بين قانون الصحافة والمطبوعات وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية وأثر ذلك على المسؤولية الجنائية للصحفيين في البيئة الرقمية

أبشر دلدوم الختيم / نيابة جرائم المعلوماتية / ولاية النيل الابيض

مقدمة

شهدت الساحة القانونية والإعلامية خلال الفترة الأخيرة جدلاً واسعاً حول إخضاع بعض الصحفيين والإعلاميين للمساءلة بموجب قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 بدلاً عن قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009.

وقد ترتب على ذلك تنظيم وقفات احتجاجية ومطالبات بعدم إخضاع الصحفيين لأحكام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية وقصر مساءلتهم على قانون الصحافة والمطبوعات باعتباره القانون المنظم لمهنتهم.

إلا أن هذا الطرح ينطوي على خلط بين تنظيم المهنة وبين المسؤولية الجنائية الناشئة عن استخدام الوسائط الإلكترونية، كما يتجاهل التطور التشريعي الذي فرضته الثورة الرقمية وانتقال النشاط الإعلامي من الصحافة الورقية إلى المنصات الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي.

وعليه فإن هذه المذكرة تستهدف بيان الموقف القانوني الصحيح وفقاً للقواعد العامة للتشريع الجنائي وأحكام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018م وقانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م والتجارب المقارنة.

أولاً:

النيابة العامة وظيفتها إنفاذ، السياسية التشريعية الجنائية للدولة، وهي جهة تطبيق للقانون وليست جهة تشريع

من المبادئ الدستورية والقانونية المستقرة أن النيابة العامة ليست جهة تشريعية ولا تملك إنشاء قواعد قانونية أو إلغاءها أو تعطيلها فالسلطة التشريعية وحدها هي التي تضع السياسة الجنائية للدولة من خلال سن القوانين ، أما النيابة العامة فتلتزم بتطبيق التشريعات النافذة متى انطبقت على الوقائع محل التحري.

وعليه فإن الاعتراض على تطبيق قانون مكافحة جرائم المعلوماتية يجب أن يوجه إلى المشرع إذا رؤي ضرورة تعديل القانون، أما النيابة العامة فلا تملك الامتناع عن تطبيق نصوص قانون نافذ ومستوفٍ لشروط التطبيق.

ثانياً:

نطاق تطبيق قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م

صدر قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م لتنظيم:

(العمل الصحفي ، المؤسسات الصحفية ، إصدار الصحف ، حقوق وواجبات الصحفيين ، تنظيم المجلس القومي للصحافة والمطبوعات ، الرقابة المهنية والأخلاقية على العمل الصحفي) .

ومن استقراء أحكام القانون يتضح أن موضوعه الأساسي هو تنظيم مهنة الصحافة والمطبوعات الصحفية ، ولم يصدر القانون لمعالجة الجرائم الإلكترونية أو الجرائم المرتكبة عبر الشبكات المعلوماتية.

ثالثاً:

ظهور النشر الإلكتروني واستحداث قانون مكافحة جرائم المعلوماتية:

عند صدور قانون الصحافة والمطبوعات لم تكن منصات التواصل الاجتماعي قد أصبحت الوسيلة الرئيسية للنشر أما اليوم فإن غالبية الصحفيين يمارسون النشر عبر: فيسبوك ، إكس (تويتر سابقاً) ، واتساب ، تلغرام ، المواقع الإلكترونية ، الصحف الإلكترونية والمنصات الرقمية المختلفة.

ونتيجة لهذا التحول التقني استحدث المشرع قانون مكافحة جرائم المعلوماتية وصدر لأول مرة في العام 2007م ولاحقا جاء قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018م لتنظيم الجرائم المرتبطة بالفضاء الإلكتروني.

رابعاً:

النصوص القانونية في قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018م:

يتضح من التعريفات الواردة بالقانون أن المشرع اتجه إلى تنظيم كافة الأنشطة المرتبطة بالشبكات والأنظمة المعلوماتية ، فقد عرّف القانون:

الشبكة المعلوماتية

بأنها وسيلة الربط بين أكثر من نظام معلوماتي بما يسمح بتبادل المعلومات والبيانات إلكترونياً.

والنظام المعلوماتي

بأنه مجموعة البرامج والأدوات والوسائل المعدة لمعالجة البيانات والمعلومات أو تخزينها أو تبادلها.

البيانات والمعلومات الإلكترونية

بما يشمل جميع المواد والرسائل والكتابات والصور والتسجيلات التي يتم تداولها أو تخزينها أو إرسالها إلكترونياً.

وتؤكد هذه التعريفات أن المشرع استهدف تنظيم البيئة الرقمية بأكملها ، ومن ثم فإن أي محتوى يتم نشره عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي يدخل من حيث الأصل في نطاق القانون متى شكل جريمة معاقباً عليها.

خامساً:

العبرة بوسيلة ارتكاب الفعل لا بصفة مرتكبه

هذه القاعدة هي جوهر المسألة ، فالقانون الجنائي لا يطبق بحسب المهنة وإنما بحسب الفعل ، فالصحفي والمحامي والطبيب والموظف والمواطن العادي جميعهم يخضعون للقانون ذاته متى ارتكبوا الفعل المجرم ، فإذا نشر صحفي مقالاً في صحيفة ورقية فإن القانون المنظم لذلك هو قانون الصحافة والمطبوعات ، أما إذا نشر ذات المحتوى عبر منصة إلكترونية أو حساب شخصي أو موقع إلكتروني فإن الواقعة تدخل في نطاق البيئة الرقمية التي نظمها قانون مكافحة جرائم المعلوماتية.

وبالتالي فإن أساس الاختصاص هو: (وسيلة النشر وليس صفة الناشر) .

سادساً:

عدم وجود حصانة تشريعية للصحفيين من تطبيق القوانين الجنائية الأخرى

لا يوجد في قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية نص يمنح الصحفي حصانة من تطبيق: (القانون الجنائي، أو قانون مكافحة جرائم المعلوماتية ، أو أي قوانين اخرى) ، كما لا يوجد في قانون مكافحة جرائم المعلوماتية نص يستثني الصحفيين من أحكامه ، وحيث لا يوجد نص بالاستثناء يبقى الأصل العام وهو خضوع الجميع لأحكام القانون.

سابعاً:

قاعدة القانون الخاص يقيد القانون العام

من المبادئ المستقرة فقهاً وقضاءً: “إذا اجتمع قانون عام وقانون خاص على واقعة واحدة قدم القانون الخاص”، وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية يمثل تشريعاً خاصاً بالجرائم المرتكبة عبر الوسائط الإلكترونية ، أما القواعد العامة الواردة في التشريعات الأخرى فتظل واجبة التطبيق فيما لم يرد بشأنه نص خاص ، وعليه فإن الجرائم التي ترتكب بواسطة الإنترنت أو الشبكات المعلوماتية تخضع للقانون الخاص الذي وضع خصيصاً لتنظيم هذا النوع من الأفعال.

ثامناً:

التفرقة بين تنظيم المهنة والمسؤولية الجنائية

هناك فرق جوهري بين:

أولاً: تنظيم النشاط الصحفي ويخضع لقانون الصحافة والمطبوعات.

ثانياً: المسؤولية الجنائية عن الأفعال المرتكبة إلكترونياً وتخضع لقانون مكافحة جرائم المعلوماتية متى تحققت أركان الجريمة.

ومن ثم لا يوجد تعارض بين القانونين ، بل يعمل كل قانون في مجاله الخاص.

تاسعاً:

التجارب المقارنة

اتجهت غالبية التشريعات الحديثة إلى إخضاع النشر الإلكتروني لقوانين الجرائم الإلكترونية أو الإعلام الرقمي ، ففي عدد من الدول العربية والأجنبية أصبح الصحفي مسؤولاً وفق قوانين الجرائم الإلكترونية متى استخدم المنصات الرقمية في ارتكاب فعل مجرم ، والاتجاه الغالب في القضاء المقارن هو أن : المعيار الحاكم هو وسيلة النشر وطبيعة الفعل وليس صفة الشخص الذي قام بالنشر ، كما أن المحاكم المقارنة لم تعتبر الصفة الصحفية سبباً للإعفاء من تطبيق قوانين الجرائم الإلكترونية.

عاشراً:

الرد على أبرز الدفوع المثارة

الدفع الأول: “الصحفي لا يحاكم إلا بقانون الصحافة”

الرد: لا يوجد أي نص قانوني يقرر ذلك.

والأصل خضوع الصحفي لجميع القوانين النافذة شأنه شأن غيره.

الدفع الثاني: “قانون الصحافة قانون خاص”

الرد: قانون الصحافة خاص بتنظيم المهنة.

أما قانون مكافحة جرائم المعلوماتية فهو الخاص بالجرائم المرتكبة إلكترونياً لكل منهما نطاقه الموضوعي المستقل.

الدفع الثالث: “تطبيق قانون المعلوماتية يقيد حرية الصحافة”

الرد: حرية الصحافة حق دستوري لكنها ليست حقاً مطلقاً.

وجميع الدساتير والمواثيق الدولية تجيز إخضاع حرية التعبير للقيود القانونية اللازمة لحماية الحقوق والحريات والنظام العام وسمعة الآخرين.

الحادي عشر:

الموقف القانوني الصحيح

يستخلص من جميع ما تقدم أن : النيابة العامة ملزمة بتطبيق قانون مكافحة جرائم المعلوماتية متى انطبقت أحكامه على الواقعة ، فقانون الصحافة والمطبوعات لا يمنح الصحفي حصانة من القوانين الجنائية الأخرى.

النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يدخل في نطاق البيئة الرقمية التي ينظمها قانون مكافحة جرائم المعلوماتية.

العبرة بوسيلة النشر وليس بصفة الناشر.

لا يوجد تعارض بين قانون الصحافة وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية.

تطبيق قانون مكافحة جرائم المعلوماتية على الصحفي الذي يستخدم الوسائط الإلكترونية يمثل تطبيقاً صحيحاً لإرادة المشرع والسياسة الجنائية للدولة.

الخاتمة

إن التطور التقني الذي شهده العالم أوجد واقعاً جديداً لم يعد فيه الصحفي يمارس نشاطه حصراً عبر الصحيفة الورقية، بل أصبح الفضاء الإلكتروني هو المنصة الرئيسية للنشر والتأثير.

ولذلك استحدث المشرع السوداني قانون مكافحة جرائم المعلوماتية منذ العام2007م ولاحقا بقانون 2018م لمعالجة الجرائم المرتبطة بهذا الفضاء.

وعليه فإن إخضاع الصحفي للمساءلة بموجب هذا القانون متى استخدم الوسائط الإلكترونية في ارتكاب فعل مجرم لا يمثل انتقاصاً من حرية الصحافة ولا مخالفة للقانون، وإنما يعد تطبيقاً سليماً لمبدأ سيادة حكم القانون والمساواة أمامه.

والقول بغير ذلك يؤدي إلى إنشاء حصانة مهنية لم يقررها المشرع، وإلى تعطيل أحكام قانون نافذ صدر خصيصاً لتنظيم الجرائم الإلكترونية، وهو ما لا يستقيم مع صحيح القانون وأصول التفسير التشريعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى