
■خلونا في الصورة
■صباح أحمد
كنت أسمع قديماً بالمثل الشعبي القائل: “البتقع من السماء تتحملها الواطة”، لكنني اليوم رأيته واقعاً معاشاً بكل تفاصيله المؤلمة، وأنا أطالع خبراً عن فتح باب المساهمة للشركات والجهات الراغبة في إعادة إعمار العاصمة.
في الحقيقة، لا أحد يختلف على أهمية إعادة الإعمار، ولا على ضرورة أن تعود الخرطوم مدينةً نابضة بالحياة بعد كل ما أصابها من دمار هائل. لكن قبل الحديث عن صبّ الخرسانة وبناء الحجر، هناك أسئلة أخلاقية وقانونية لا بد من طرحها حول الإنسان الذي فقد كل شيء تحت سقف هذه المدينة.
أليست هذه الحرب هي التي شرّدت الملايين، ونهبت البيوت، ودمّرت الممتلكات، وجعلت آلاف الأسر تعيش لاجئة في دول الجوار أو نازحة في الولايات، تعاني مرارة العوز بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؟!
أليس من حق هؤلاء المكلومين أن تكون لهم الأولوية؟! وأن يبدأ الإعمار الحقيقي بتعويض المتضررين ومساعدتهم على استعادة حياتهم الكريمة قبل أي شيء آخر؟!
ما نحتاجه اليوم ليس مجرد جمع للأموال، أو تدافع للشركات، أو إطلاق مبادرات فضفاضة، بل نحتاج إلى رؤية وطنية واضحة وشفافية كاملة تضع المواطن المتضرر في مقدمة الأولويات، وتجيب عن الأسئلة الحائرة.. كيف ستُدار أموال الإعمار؟! ومن المستفيد الأول منها؟!.. وهل ستذهب لإعادة الحياة للمواطن، أم ستتحول إلى صفقات واستثمارات تفيد جهات بعينها؟!
المؤلم بحق أن كثيراً من الضحايا ما زالوا عاجزين حتى عن العودة إلى أحيائهم، أو إصلاح ما دمرته الحرب في بيوتهم الصغيرة، بينما يتقدم الحديث الرسمي عن إعادة الإعمار بخطوات متسارعة، دون حديثٍ موازٍ يعيد للمواطن حقه، أو يضمن جبر الضرر، وتعويض المتأثرين، ومحاسبة من تسببوا في هذا الخراب الشامل.
يا هؤلاء..
إن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالأسمنت والطلاء وواجهات المباني الفخمة، بل تبدأ بالعدالة، ومحاسبة من خرّبوا ودمّروا، وإنصاف المواطن البسيط الذي دفع من أمنه وماله واستقرار أسرته ومستقبل أبنائه ثمن هذه الحرب الضروس.
فالوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل يُبنى أولاً بردّ الحقوق إلى أصحابها، وجبر ضرر المظلومين، وإنصاف الذين دفعوا ثمن الحرب من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
أما أن يُعاد بناء الجدران بينما يبقى أصحابها مكسوري الخاطر، لاجئين في المنافي أو نازحين بعيداً عن ديارهم، فذلك ليس إعماراً كاملاً، بل نصف إعمار.
