
■ خلونا في الصورة
■ صباح أحمد
من المعتاد أن يلجأ المواطن إلى الشرطة شاكياً، طالباً الحماية والردع. لكن يبدو أننا نعيش زمناً مقلوباً؛ إذ يخرج مدير عام قوات مكافحة المخدرات، ليعلن أن “قوات مساندة للجيش تنشط في تجارة وترويج المخدرات”.
هنا لا تكون الصدمة في المعلومة وحدها، بل في هوية المتحدث. فمن يصدر عنه هذا التصريح ليس مراقباً ولا محللاً، وإنما المسؤول الأول عن مكافحة هذه الجريمة. فإذا كانت الجهة المنوط بها التحقيق والحسم تكتفي بوصف المشكلة، فمن الذي سيتولى حلها؟
وما يزيد الأمر خطورة أن هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها إشارة رسمية إلى وجود متورطين من جهات نظامية؛ فقد تحدث والي الخرطوم أيضاً عن وجود قوات نظامية ضالعة في تجارة المخدرات. وعندما تتكرر مثل هذه التصريحات من مسؤولين، فإن السؤال لا يصبح فقط من المتورط؟ بل.. لماذا لا تتحول هذه المعلومات إلى إجراءات معلنة ومحاسبة واضحة؟!
■المشكلة ليست في خطورة الاتهامات فحسب، وإنما في طريقة طرحها. فهي تصريحات كشفت جانباً من الحقيقة، لكنها أبقت هوية الجهة المقصودة غامضة. فالحديث عن “قوات مساندة” دون تسميتها صراحةً يلقي بظلال الاتهام على كل القوات المساندة، ويضر بجهات قد لا تكون لها أي صلة بالأمر، بينما تبقى الجهة المقصودة بمنأى عن المساءلة.
وطالما أن إدارة مكافحة المخدرات تملك من المعلومات ما دفع مديرها العام إلى إطلاق هذا التصريح، فما الذي يمنعها من تسمية الأشياء بمسمياتها، وفتح البلاغات، واتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون؟ فلا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن تكون هناك جهة بمنأى عن المحاسبة.
لكن غياب التوضيح الرسمي وترك التصريح في مساحة التلميح، فتح الباب أمام كثير من ردود الأفعال في الشارع. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتعامل كثيرون مع التصريح بالسخرية والتلميح، فهذه أصبحت وسيلة يلجأ إليها الناس لتجنب الوقوع تحت طائلة الملاحقات القانونية. فهم لا يملكون سلطة ولا حصانة، ولا أحد يملك “حق المحامي” أو يرغب في دخول السجن.
أما الجهة الرسمية التي تتحدث باسم القانون وتمتلك سلطاته، فما الذي يدعوها إلى الاكتفاء بالإشارات؟
■إن الحكومة لا يمكن أن تؤدي دور المتفرج أو المعلق الذي يكتفي بوصف المشكلة للرأي العام؛ فالسلطة وُجدت لتحسم، لا لتكتفي بالتشخيص. والاستمرار في لغة التلميح لا يرسل سوى رسالة ضعف، ويزيد من جرأة المروجين، ويضاعف من إحباط الشارع.
وإذا كانت الدولة تعرف الجهة المقصودة، فواجبها أن تُسميها وأن تحاسبها. أما إذا لم تكن تملك ما يكفي من الأدلة، فإن إطلاق اتهامات عامة يضر بالأبرياء أكثر مما يردع المذنبين.
وفي الحالتين، لا يكفي التصريح وحده؛ فالمواطن ينتظر أفعالاً لا تصريحات، وإجراءاتٍ لا تلميحات، لأن قضية تمس عقول الشباب وأمن المجتمع، كقضيةالمخدرات، لا تحتمل الغموض، بل تستوجب الحسم.
