
■ خلونا في الصورة
■ صباح أحمد
قد يكون التراجع عن قرار واحد أمراً طبيعياً تفرضه المراجعة أو اكتشاف خطأ في الإجراءات. لكن عندما يتحول التراجع عن القرارات إلى مشهد يتكرر خلال أيام قليلة، فإن الأمر لم يعد مجرد خطأ هنا أو هناك، وإنما يفرض أسئلة حقيقية حول طريقة صناعة القرار داخل مؤسسات الدولة.
خلال فترة وجيزة، أُلغي قرار تعيين السيد عبدالرحيم الصديق علي الحفيان وكيلاً لوزارة الشباب والرياضة، بعد الإعلان عنه رسمياً.
ثم جاء نفي خبر تعيين السيد إدريس محمد علي وكيلاً لوزارة الخارجية، رغم أنه أُبلغ بالقرار، وأُقيم له حفل تكريم احتفاءً بتوليه المنصب.
واليوم، اكتمل المشهد بإلغاء التصديق الممنوح لشركة “العسجد” للحلول الرقمية والذكية المحدودة للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني.
والمفارقة أن قرار الإلغاء جاء بعد احتفال رسمي كبير شهدته قيادات من مجلسي السيادة والوزراء، ووُقعت خلاله الاتفاقية أمام وسائل الإعلام.
وقال بنك السودان المركزي إن قرار الإلغاء جاء عقب مراجعة شاملة لأوضاع الشركة..وهنا يبرز سؤال منطقي: إذا كانت هذه المراجعة انتهت إلى إلغاء التصديق، فلماذا لم تكتمل قبل إصدار القرار وإقامة الاحتفال الرسمي؟!
المشهد كله يدفع إلى سؤال أكبر.. ما الذي يحدث؟
هل أصبحت بعض القرارات تُعلن قبل أن تستكمل مراحل الدراسة والفحص؟.. أم أن هناك أكثر من جهة تتدخل في صناعة القرار، فيُعلن اليوم ثم يُعاد النظر فيه بعد أيام؟.. أم أن متغيرات تفرض نفسها بعد الإعلان فتقود إلى التراجع؟!
حسنا..المشكلة ليست في مراجعة القرار، فالتراجع عن قرار خاطئ يحمي المصلحة العامة، وقد يكون موقفاً يُحسب للمسؤول لا عليه.. لكن المشكلة أن يتحول ذلك إلى مشهد متكرر، يربك مؤسسات الدولة، ويضعف ثقة المواطنين، ويبعث برسائل سلبية لكل من يتعامل مع الحكومة.
فالدولة، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها، تحتاج إلى قرارات مدروسة ومستقرة، وإلى مؤسسات تتحدث بصوت واحد، لا أن يصبح إعلان القرار ثم التراجع عنه أمراً يتكرر على مرأى من الجميع.
هيبة الدولة ليست في كثرة القرارات، وإنما في استقرارها.. أما أن يصبح القرار خبراً اليوم، والتراجع عنه خبر الغد، فذلك لا ينعكس على الجهة التي أصدرت القرار وحدها، بل ينعكس على صورة الدولة كلها.
وهنا يبقى السؤال.. من يراجع هذه القرارات قبل إعلانها؟.. ومن يتحمل مسؤولية هذا الارتباك الذي بات يتكرر بصورة لافتة؟..والأهم.. متى تستعيد مؤسسات الدولة الانضباط المطلوب في صناعة القرار؟!
