مقالات الرأي
أخر الأخبار

جِباية تحت أشعة الشمس

خلونا في الصورة
■ صباح أحمد

يبدو أن الحكومة لم تعد تملك برنامجاً لإدارة الأزمات، بل أصبح شعارها العملي هو المثل الشعبي: “كان غلبك سدها… وسِّع قدها.”
كلما عجزت عن حل مشكلة، لجأت إلى الحل الأسهل: فرض رسوم جديدة.
عجزت عن توفير الكهرباء، وتركت الناس أسرى الظلام والسخانة، ثم فرضت رسوماً على البديل الذي لجأوا إليه.. الطاقة الشمسية!
عجزت عن إنعاش الاقتصاد؟ وسعت دائرة الجبايات!
عجزت عن تخفيف معاناة الناس؟ حملتهم المزيد من الأعباء!

زمان، ومن كترة الضرائب والرسوم، كنا بنقول ساخرين: “ما فضل ليهم إلا يفرضوا رسوماً على الشمس.” لكن يبدو أن الحكومة أخذت العبارة على محمل الجد، فها هي اليوم تفرض رسوماً جديدة على قطاع الطاقة الشمسية، في وقت ما قدرت توفر فيه كهرباء مستقرة للمواطن.
وبحسب القرار الجديد، فُرضت رسوم على الألواح الشمسية، والعاكسات (الإنفيرترات)، والبطاريات، والمحولات، إلى جانب رسوم تسجيل الشركات وممارسة النشاط. ورغم أن هذه الرسوم تستهدف الموردين والشركات العاملة في القطاع، إلا أن النتيجة المتوقعة هي انتقالها إلى أسعار البيع، بما يعني ارتفاع تكلفة أنظمة الطاقة الشمسية التي يشتريها المواطن.
يعني ببساطة.. المواطن الذي اضطر لشراء منظومة طاقة شمسية لأنه فقد الأمل في كهرباء مستقرة، هو من سيتحمل في نهاية المطاف تكلفة هذه الرسوم إذا انعكست على الأسعار؛ فيدفع فاتورة فشل الحكومة مرتين..مرة عندما اضطر لشراء البديل من جيبه، ومرة أخرى عندما ارتفعت تكلفة هذا البديل بسبب الرسوم الجديدة.
والمفارقة المؤلمة أن هذه الرسوم قد تنتهي، في نهاية المطاف، إلى جيب المواطن الذي اضطر أصلاً للبحث عن بديل بسبب عجز الدولة عن توفير الخدمة. وإذا استمرت هذه العقلية، فلن يكون مستغرباً أن تمتد الجبايات إلى كل شيء. وما بعيد يفرضوا رسوماً على الهواء البنتنفسه وأكيد حيلقوا ليه لائحة، ومنشوراً تنظيمياً، ورسوم تسجيل كمان!

المواطن ما لجأ للطاقة الشمسية لأنه داير يعيش في رفاهية، وإنما لأنه اضطر ..
الكهرباء بقت تقطع في بعض المناطق أياماً متواصلة، والناس دفعت الغالي والنفيس عشان تنور بيوتها، بعد ما عجزت الدولة عن توفير أبسط الخدمات.
المواطن اليوم لا يعيش ظروفاً عادية فالحرب سلبت الأرواح والبيوت، والوظائف، والمدخرات، ومصادر الرزق.
ملايين السودانيين بقوا لاجئين ونازحين، ومن بقي في بيته يحاول يعيش، يفعل ذلك بشق الأنفس. ومع كل دا، الجبايات لسه بتطارده..وكأن الحكومة لا ترى معاناة الناس.. أو يمكن شايفاها، لكن ما فارقة معاها.
والسؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا.. معقولة ما في مسؤول واحد يقول يا جماعة القرار دا غلط؟!

أليس من المفترض، في مثل هذه الظروف، أن تشجع الدولة المواطنين على استخدام الطاقة الشمسية باعتبارها حلاً يخفف الضغط على الشبكة الكهربائية، بدلاً من زيادة تكلفتها عليهم؟!

نعرف أن أي دولة تحتاج إلى إيرادات، لكن إدارة الدول لا تقوم على الجبايات وحدها، ولا يجوز أن يتحول المواطن المنهك إلى الصراف الآلي الوحيد الذي تُسد به كل فجوات العجز والفشل.

الأ يوجد داخل هذه الحكومة مسؤول رشيد يقول: كفى؟!
كفى إثقالاً لكاهل مواطن لم يعد يحتمل المزيد.
كفى قرارات تزيد معاناة الناس، ولا تقدم حلولاً.
كفى بحثاً كل يوم عن جيب جديد تمد الدولة يدها إليه.
إذا كانت الحكومة تواجه تحديات كبيرة على المستويات الأمنية والاقتصادية والخدمية، فإن الأولى بها أن تبحث عن قرارات تخفف معاناة الناس، لا أن تضيف إليهم أعباءً جديدة.
أما إذا كانت فلسفة إدارة الدولة قد اختُزلت في دفاتر الرسوم والجبايات، فهذه ليست حلولاً، وإنما شهادة فشل تكتبها الحكومة بيدها.
فإما أن تنجح في أداء مهامها الأساسية، وتبدأ فعلاً في معالجة أزمات الناس، وإما أن تفسح المجال لمن يستطيع إدارة هذه البلاد بعقلٍ يعرف كيف يخفف عن الناس معاناتهم، لا كيف يبتكر لهم رسوماً جديدة يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى