مقالات الرأي
أخر الأخبار

السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل .. النخب السودانية من يملك الدولة؟

بقلم / الأمين داؤود – رئيس الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة

لم تعد حرب الخامس عشر من أبريل مجرد حدث عسكري في تاريخ السودان، بل أصبحت محكمة سياسية وأخلاقية حاكمت الجميع دون استثناء. كشفت الحرب أن الأزمة لم تكن في السلاح وحده، وإنما في العقل الذي يدير السياسة، وفي النخب التي ظلت لعقود تتصارع على الدولة دون أن تنجح في بنائها.

لقد أخطأت النخب السودانية حين اعتقدت أن الوصول إلى السلطة يعني امتلاك الدولة. فمنذ الاستقلال، لم يكن الصراع يدور حول بناء مؤسسات وطنية مستقلة، وإنما حول من يسيطر عليها، ومن يحتكر قرارها، ومن يعيد تشكيلها بما يخدم مشروعه السياسي. وهكذا تحولت الدولة من كيان جامع إلى ساحة صراع، ومن مؤسسة تخدم المواطن إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون.

إن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها اليوم هي أن جميع النخب، بدرجات متفاوتة، تتحمل مسؤولية ما وصل إليه السودان. فمن مارس الإقصاء، ومن احتكر القرار، ومن استعان بالسلاح لتحقيق أهدافه السياسية، ومن قدّم مصلحة الحزب أو القبيلة أو الجهة على مصلحة الوطن، جميعهم أسهموا في إضعاف الدولة حتى أصبحت عاجزة عن حماية نفسها ومواطنيها.

لقد أثبتت الحرب أن الدولة لا يمكن أن تُبنى بعقلية المنتصر والمهزوم، ولا بمنطق الغلبة السياسية أو العسكرية. فالدولة التي يحتكرها طرف، سيفقدها الجميع في النهاية، وهذا ما حدث في السودان.

واليوم، وبعد هذا الدمار، لا يكفي أن تتبادل القوى السياسية الاتهامات، ولا أن تبحث عن مواقع جديدة داخل معادلات السلطة. المطلوب هو مراجعة وطنية شجاعة تعترف بأن الأزمة ليست أزمة أشخاص، بل أزمة فكر سياسي ظل ينظر إلى الدولة باعتبارها ملكية خاصة، لا ملكية عامة لكل السودانيين.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: إلى أين؟

إلى أين يتجه السودان إذا استمرت النخب في التفكير بالأدوات نفسها التي صنعت الأزمة؟ وهل يمكن لوطن أنهكته الحروب أن ينهض بعقول ما زالت أسيرة لمعادلات الماضي؟

إن السودان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تؤسس النخب لعقد وطني جديد، يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، والشراكة الحقيقية، وإما أن تستمر في إعادة إنتاج الصراع حتى يصبح انهيار الدولة أمرًا واقعًا لا يمكن تداركه.

لقد انتهى زمن الادعاء باحتكار الوطنية، كما انتهى زمن الحديث باسم السودان دون تفويض من شعبه. فالوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأوسع من أي جماعة أو نخبة.

إن السؤال لم يعد: من يحكم السودان؟ بل أصبح: هل تمتلك النخب السودانية الشجاعة للتخلي عن وهم امتلاك الدولة، والانتقال إلى مشروع بناء الدولة؟

فإذا كانت حرب الخامس عشر من أبريل قد علمتنا شيئًا، فهو أن الدولة التي يتنافس الجميع على امتلاكها قد تضيع من الجميع، أما الدولة التي يتوافق الجميع على بنائها فهي وحدها التي تستحق أن تبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى