عالمية
أخر الأخبار

حرب إيران.. دعوة إلى تبني استراتيجية وطنية لأمن الطاقة في جنوب السودان

بقلم: لوكا بيونق دينق / كلية الدراسات الاجتماعية والاقتصادية – جامعة جوبا

أدّت حرب إيران، التي اندلعت في أواخر فبراير من هذا العام، إلى إحداث صدمات اقتصادية وأمنية جسيمة، لا سيما بعد فرض إيران قيودًا على مضيق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم. ومن المرجح أن تتفاقم هذه الصدمات إذا ما أقدم الحوثيون، المدعومون من إيران في اليمن، على تعطيل حركة التجارة البحرية العالمية في البحر الأحمر.

ويمثّل الارتفاع الحاد في أسعار الوقود—وهو أكثر قنوات انتقال تأثير الحرب مباشرة—الأثر الأبرز، حيث امتد تأثيره إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، خصوصًا إلى الدول المعتمدة على استيراد الطاقة. وعلى الرغم من اعتماد جنوب السودان على صادرات النفط، فإنه لم يستفد من هذه الطفرة، بل تأثر بشكل استثنائي بارتفاع الأسعار، حيث سجّل أعلى متوسط لأسعار الوقود في المنطقة خلال مارس 2026، بما يقارب ضعف المتوسط العالمي.

وقد أدّى هذا الارتفاع، بما له من آثار متسلسلة على تكاليف النقل والمعيشة، إلى تفاقم الأوضاع المعيشية الهشة أصلًا. وتحدث هذه الأزمة في وقت تمتلك فيه البلاد إمكانات طاقة هائلة غير مستغلة. لقد كشفت حرب إيران عن هشاشة بنيوية عميقة، ناجمة إلى حد كبير عن ضعف الحوكمة، كما دقّت ناقوس الخطر لإعادة التفكير استراتيجيًا في كيفية تحقيق أمن طاقة مستدام.

إن ما يفتقر إليه جنوب السودان هو قيادة استراتيجية قادرة على استثمار هذه الإمكانات من خلال وضع وتنفيذ استراتيجية وطنية لأمن الطاقة، تضمن توفير إمدادات موثوقة وميسورة التكلفة عبر تنويع المصادر وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة.

اندلعت حرب إيران في 28 فبراير 2026م، وسرعان ما تطورت إلى نزاع أطلق موجات صادمة امتدت آثارها إلى ما وراء الشرق الأوسط. وبعد أقل من شهر، باتت تداعيات هذا الصراع محسوسة عالميًا، بل وحتى بيئيًا، خاصة عقب القيود الإيرانية على مضيق هرمز.

تشير التقديرات إلى أن نحو 38% من تجارة النفط الخام العالمية، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و29% من غاز البترول المسال، و19% من المنتجات النفطية المكررة، و13% من المواد الكيميائية—بما في ذلك الأسمدة—تمر عبر هذا المضيق، وفي عام 2024م ، بلغ حجم النفط المنقول عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل ربع التجارة البحرية العالمية للنفط.

وقد أدى تعطيل الملاحة في المضيق إلى شبه توقف لحركة السفن، حيث انخفضت بنسبة 97%، مما تسبب في ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022م، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وانعكاس ذلك على أسعار الغذاء وتكاليف المعيشة عالميًا.

كما أن احتمالات امتداد التوتر إلى البحر الأحمر، خاصة مع تحركات الحوثيين، تثير مخاوف من تعطيل ممر باب المندب وقناة قناة السويس، مما سيؤدي إلى إطالة سلاسل الإمداد ورفع الأسعار عالميًا.

الآثار الاقتصادية

يُعد الأثر الاقتصادي لحرب إيران على جنوب السودان مباشرًا وواضحًا، خاصة عبر ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والتجارة. ورغم أن النفط يشكّل أكثر من 50% من الناتج المحلي و90% من الإيرادات الحكومية، فإن ارتفاع الأسعار لا يترجم إلى مكاسب حقيقية، بسبب اعتماد الاقتصاد الكبير على الواردات.

تشير البيانات إلى أن نصيب الفرد من الواردات يفوق الصادرات، مما يعني أن زيادة عائدات النفط تُقابلها زيادة أكبر في فاتورة الاستيراد، فتتآكل المكاسب المحتملة.

كما أن أي اضطراب في البحر الأحمر يهدد صادرات النفط عبر السودان، ما يضيف بعدًا آخر من المخاطر. ويُظهر التاريخ أن العوائد النفطية المؤقتة لا تتحول إلى تنمية مستدامة في غياب الحوكمة الرشيدة.

وفي مارس 2026م، ارتفعت أسعار الوقود في أفريقيا بنحو 50%، بينما تجاوزت الزيادة في جنوب السودان 100%، وهي الأعلى في المنطقة. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، منها موقعه كدولة حبيسة، وضعف البنية التحتية، وانتشار الرسوم غير الرسمية، واضطراب سلاسل الإمداد.

وقد انعكس ذلك على أسعار الغذاء والنقل، وفاقم من معدلات التضخم، وزاد من معاناة المواطنين الذين يعتمدون أساسًا على سلع مستوردة.

الآثار الأمنية

لا تقتصر تداعيات الحرب على الاقتصاد، بل تمتد إلى الأمن والاستقرار. فجنوب السودان يعتمد على البحر الأحمر لتصدير نفطه، ما يجعله عرضة لأي اضطرابات في المنطقة.

كما أن تصاعد التوتر في القرن الأفريقي، الذي يضم قواعد عسكرية دولية مثل قاعدة ليمونييه في جيبوتي، قد يحوّل المنطقة إلى ساحة صراع غير مباشر، بما يهدد استقرارها.

داخليًا، أدى ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تأخر رواتب الموظفين، إلى زيادة معدلات الجريمة والتوترات الاجتماعية، خاصة في المدن الكبرى مثل جوبا. كما أن تراجع المساعدات الدولية يفاقم من أزمة الأمن الغذائي، ويضع ضغوطًا إضافية على بعثة بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان.

الخلاصة:

نحو استراتيجية وطنية لأمن الطاقة

تكشف حرب إيران عن نمط متكرر من الصدمات العالمية التي تضرب الاقتصادات الهشة، وتؤكد الحاجة إلى استراتيجيات وطنية استباقية بدلًا من الاستجابات المؤقتة.

يمتلك جنوب السودان إمكانات هائلة في مجالات الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح ، غير أن غياب الرؤية الاستراتيجية حال دون استثمار هذه الموارد.

وعليه، فإن تبني استراتيجية وطنية لأمن الطاقة يجب أن يشمل:

تقليل الاعتماد على الوقود المستورد عبر إنشاء مصافٍ حديثة،

التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة مثل مشروع فولا الكهرومائي،

تنويع مصادر الطاقة وتعزيز كفاءة استخدامه

ضمان استقرار الإمدادات بأسعار معقولة

تعزيز مرونة سلاسل الإمداد.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى حرب إيران باعتبارها “فرصة قاسية” تدفع نحو إعادة التفكير في سياسات الطاقة. فجنوب السودان يمتلك الموارد، لكنه بحاجة إلى قيادة استراتيجية ورؤية وطنية تضع مصلحة المواطن في صلب سياسات الطاقة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى